اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
أربع لقطات!ـ
أربع لقطات!ـ
 
في يوم زاخر بسخونة الصيف المقرفة من عام 1983، كنت أقف مع عشرات غيري بصورة فوضوية، أمام المصعد الكهربائي الخاص بمبنى رئاسة الجامعة، وكلما وصل المصعد إلى (الطابق) الأرضي، وانفتح بابه، حدثت هجمة ينتصر فيها الأقوياء على الضعفاء، ولهذا إقترح أحدهم تنظيم الصعود باسلوب حضاري، أي الوقوف، الواحد بعد الآخر على هيئة صف (سِرّه) والشخص الجديد الذي يصل يقف في نهاية الصف، ولقي المقترح قبولاً، وبطلعان الروح وقفنا بطريقة حضارية.. وها هو المصعد ينزل الى الأرض، وفي اللحظة التي انفتح الباب وصل الفنان الراحل (خليل الرفاعي)، وقد أثار استغرابي، أعني اعجابي الكبير، إن الواقفين بلا استثناء لم يتركوه يقف في آخر الصف، بل طلبوا منه برجاء يشبه التوسل أن يكون أول الصاعدين.. هنا عندي شيء، أود قوله، ولكن لم يحن أوانه بعد!!
ذات مرة عثر صديقي الصحفي أنور الهاشمي على حقيبة، وجد في داخلها مبلغاً من الدولارات يكفي لشراء شقة في باريس، كما وجد فيها بضع أوراق رسمية إتضح من دلالاتها، إن ملكيتها تعود لشخص أردني يعمل في السلك الدبلوماسي، لم يتردد صديقي أو يطيل التفكير، قام من لحظته بايصال الحقيبة المفقودة الى صاحبها الذي لم يصدق ما يرى.. مدّ يده في جيبه وإستل رزمة كبيرة من الدولارات هدية لنزاهة الهاشمي وموقفه الأخلاقي غير إن دهشة الأردني تجاوزت حدودها لأن صديقي رفض أن يأخذ دولاراً واحداً، وهنا عندي شيء أودُّ قوله ولكن لم يحن أوانه بعد!!
إنه عام 2013، كنت أنتظر دوري مع المنتظرين في عيادة طبيب العيون الدكتور صلاح الشذر (إنتقل الى رحمة الله في كانون الثاني 2015)، حين جاء دور مراجع عجوز، دَفَعَ لسكرتير الطبيب (نصف أجور الفحص (الكشفية)، وأخبره إنه لا يمتلك غير هذا المبلغ.. للحظات إرتبك السكرتير فيما كنا نتابع المشهد، أحد الحضور (غمز) بطرف عينيه للسكرتير ووضع يده على صدره، وفهمنا من الحركة إن الرجل سيدفع النصف الآخر من أجرة الفحص، وعندما دخل العجوز غرفة الطبيب، تقدم الرجل من السكرتير وأعطاه أجور (الكشفية) كاملة وقال له رجاء أخي.. عندما يخرج العجوز أعِدْ له المبلغ، وأخبره إن الدكتور قرر علاجه على حسابه، يا إلهي كم إمتلأنا زهواً وإعتزازاً لذلك الموقف النبيل، ولكننا شعرنا باعتزاز أكبر عندما فوجئنا بالطبيب يمسك بيد العجوز ويعينه على مغادرة العيادة ثم يطلب من سكرتيره أن يعيد له المبلغ الذي دفعه، ويذهب معه إلى الصيدلية لشراء العلاج على حسابه.. هنا عندي شيء أود قوله ولكن لم يحن أوانه بعد!!
لا تحضرني السنة ولكن تحضرني سيارة (الكيا)، كنت أجلس وظهري إلى السائق، وأمامي تجلس الفنانة التشكيلية خلود عبد الرزاق، وكنا ونحن في طريقنا الى الباب المعظم نتحدث عن نيتها المشاركة في أحد المعارض الفنية.. وقفت السيارة ليصعد أحد الركاب ويتخذ مكانه إلى جانب السائق، الفنانة عبد الرزاق دفعت أجرة الراكب وقالت له دكتور.. واصل، إلتفتَ الرجل الذي لم أتبين من هو حتى تلك اللحظة، وتوجه بالشكر الجزيل للفنانة، وكان واضحاً إنه لم يتعرف عليها!!
سألت خلود عن هوية الراكب فأخبرتني إنه عالم اللغة العراقي الكبير الدكتور عبد الأمير الورد، وبدافع الفضول سألتها من جديد إن كانت إحدى طالباته، أو إن كان قد درّسها في هذه الدورة أو تلك، واستغربتُ حقاً لأنها لم تلتقِ الدكتور من قبل أبداً، ولكنها تتابع نشاطه الثقافي في التلفزيون والصحافة!! الاستغراب يصل ذروته عندي.. إذن ما الذي جعلها تُقدِمُ على هذا الموقف؟ ردّتْ عليّ بصيغة التساؤل: مَنْ عليه أن يقدر رموز الابداع ويُشعرها بأهميتها إذا لم تكن الناس، والمثقفون في مقدمتهم وعلى رأس القائمة؟! وهنا عندي شيء أود قوله، فقد آن أوانه: هؤلاء هم العراقيون.. وهذا هو جوهرهم الحقيقي.
 
حسن العاني