اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
سرطان مرئيّ
سرطان مرئيّ
 
أكثر عادة شخصيّة لم تنفع في مداراة الشعور المرّ بتضاؤل الجماليات من الفضاء العام لبغداد، تجوال البصر بين ما بقي من عمارة المدينة، لتلمّس وهجها المتداعي وإن تخيّلاً فقط، ورسم يوتوبيا الخلاص، بوجه عشوائيات تتوزّع خريطة المصادفات اليوميّة.
ربّما من أهمّ فضائل كلية الهندسة بجامعة بغداد على الدارسين فيها، وبشكل أخصّ على من مرّ بقسمها المعماريّ، هو تحقيق تلاقٍ ذهنيّ نادر بين رؤى حداثيّة بطابع عالميّ وبيئة محليّة تنتظر التطويع، هناك تسمع أيضاً بأسماء رائدة غيّبتها الثقافة العراقيّة، التي كثيراً ما احتفى نسقها التقليديّ برموز وأعلام في التشكيل والمسرح والشعر والرواية، إلا مبدعي العمارة فكانت أسماؤهم متداولة في نطاق نخبوي ضيّق، لذا من الطبيعي أن يغيب عن ساحة الترويج الإعلاميّ والصفحات الثقافيّة للصحف والمجلات، ذكر رواد مثل محمّد مكية وجعفر علاوي ورفعت الجادرجي وآخرين. هنا نظلّ نتلقف ما يقوله الآخر عن مبدعي العمارة، إذ تنبّهنا الميديا الغربيّة إلى عالميّة المعمارية العراقيّة زها حديد التي قدّمت في إطار اشتغالها التجديدي اليوم ما يوازي ثورة الروّاد الأوائل في حركة الشعر الحرّ خمسينيات القرن الماضي.
هذا الإشكال "الثقافيّ- الإعلاميّ" المتداخل، دفع أيضاً إلى أن يكون اهتمام المتلقي بإبداعات العمارة العراقيّة، محدوداً وقاصراً على مناسبات احتفائيّة أو حتّى أحداث مؤسفة، مثلاً نتذكّر اسم مصمم وزارة المالية يوم تنفجر سيّارة ملغمة بقربها في العاصمة، أو يسأل صحافي يقرأ خبراً بشأن إعادة افتتاح المتحف الوطنيّ للفنّ الحديث، عن اسم مُبدع هذا الصرح.
أما قيمة الإمعان في مرأى العمارة البغداديّة، وتهجّي مفردات ما لم يندحر منها؛ لاحتساب درجات التراجع والتقهقر المدني والمديني، حينما صارت الألوان دليلاً على الذوق المتدني وهي تخذل بغداد وتاريخها ومكانتها؛ حيث واجهات محال ومطاعم وأبنية وعمارات بالأحمر والبرتقالي والأخضر، وكأنّنا في حفلة تنكريّة يستر فيها "الألكوبوند" عورات عمارتنا وقلّة الشواخص التي يمكن التباهي بها، فما من عمران جديد ينهي عشر سنوات من إهدار الفرص وتبديد الأحلام.
وفي سياق صراع مصيريّ تخوضه اليوميات العراقيّة المضطربة مع وحش اليأس، فإنّ ما يطيل من عمر الأسى، مرض "قديم- جديد" فتك بعمارة المدينة وقد استفحل الآن فعلاً، ليس ذلك بين ليلة وضحاها، بل قبل أن يشخّصه شيخ المعماريّين العراقيّين محمّد مكية في كتابه "خواطر السّنين" متحدّثاً عن "بغداد الحلم" متمنّياً إيّاها "خالية من سرطان العمران.."، فالمعروف عن قدرات الورم الخبيث تدمير الأنسجة والخلايا بالتتابع، مباغتاً بذلك الجسم الذي ينمو فيه فجأة، لكنّ السرطان الذي يلازم المكان البغداديّ، سرطان مرئيّ، تشاهده على أعمدة شارع الرشيد وعمارات "الباب المعظم" المرصّع بعضها برصاص العام 2006، وعلى واجهات الأبنية أيضاً في الكرادة وبغداد الجديدة والمنصور والأعظمية.
إذاً السرطان منظور للمارّة ومُكتشف هذه المرّة، يحتاج إلى إرادة تقتلعه نهائيّاً، وإن بعد حين، وهذا بعيد عن أن يكون مطلباً هيّناً ويسيراً في احتدامات الزمن العراقيّ، هو مؤجل حتّى ننتهي من تصفير صفحات قواميسنا من لغة المحو التي تجتاح العراق والمنطقة والعالم بأسره.
حسام السراي