اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
بغداد - الحلم
بغداد - الحلم
 
هناك مدن تمنح نفسها لزائرها أو ساكنها منذ اللحظة الأولى، لكن بغداد لا تمنح نفسها الا  بعد أن تتأكد من حب المقابل لتتحول معه الى حلم لا ينتهي..حلم يشير اليه سياسي تركماني أرغمته الظروف التي سادت في كركوك بعد مجزرة تموز 1959 ان يغادر كلية الطب في جامعة بغداد الى طب انقرة، ليعود بعد اسبوعين مؤكدا انه لا يطيق العيش في مدينة تشبه القرية ( انقرة ) بعد ان تعرف الى مدينة تشبه الحلم ( بغداد ) بتأريخها وشواخصها وجمالها وشوارعها ودجلتها وقبابها. وتحولت تلك القرية الى مدينة عصرية كبيرة مترامية الأطراف بأفضل الخدمات والبنى التحتية وحملات تشجير لا تنتهي، واستمرت بغداد حلما رغم ما عانته وتعانيه ولم تعرف الإعمار وقطعت أشجارها، لكن شواخصها استمرت وان بلا اهتمام. في كل دول العالم المهمة تتم المحافظة على مناطقها القديمة التي تشكل قلبها وطفولتها وتتم المحافظة على طراز عمارتها الواضحة في مبانيها القديمة، بينما في بغداد تمت إزالة بعض مناطق طفولتها دون أي التفات لما كانت تشكله من جمال وذكريات وتشييد أحياء لاعلاقة لها بتأريخ المدينة مثل مجمعات شارع حيفا وفيما بعد تم  اهمال مناطقها القديمة وتمت ازالة مبان رائعة بعمارتها البغدادية المميزة وتحولت بعضها الى  مخازن أضرت كثيرا بها واستمر الإهمال لكل شيء فيها الا الرصيف! منذ عقود لا يتجدد فيها سوى الرصيف وفي يوم ما جرت حملة بعنوان تطوير أرصفة بغداد، وتساءلت حينها ان كان سيتم تركيب اطارات لها لتسير بالسابلة!! وجاء العنف والإرهاب والإحتلال ليزيد طينها بلة ويزداد الإهمال وتتكاثر الأحياء العشوائية وتجرح وجهها الاسلاك الشائكة وتقسم فضاءاتها الحواجز الكونكريتية ويمنع حظر التجوال شعر ليلها من التطاير مع نسمات دجلة. صادر هذا الحظر أحلامها وسهر البغاددة وضيوفهم ، وزرع رعبا لا ينتهي إلا مع بدء النهار القادم مع العنف. كتبت في مرة سابقة أنني وابني رفضنا حظر التجوال الليلي وقلت أنه يولد الخوف وان حواجز الكونكريت تزيد العنف وإن نفسيا وتكشف عدم الأمان، بينما ازالتها ستمنح شعورا بالامان يتحول الى أمان فعلي، وحين جرت محاولة سابقة لرفعها رفضها ( البعض ) و ( اكدوا) انها تعرضهم للمخاطر!! الآن، بعد ان استعادت بغداد ليلها وبدأت فضاءاتها تبتسم مع بدء رفع الحواجز الكونكريتية، لابد من الإلتفات اليها، لابد من صيانة احيائها وشوارعها القديمة، لابد من المحافظة على ما تبقى من عمارتها في مبانيها القديمة.
يقول الخطيب البغدادي إن الشيخ معروف الكرخي الذي غادر مدينته بعد ان أشهر إسلامه وهو النصراني، تنقل كثيرا الى أن وصل بغداد وسكن حيث دفن فيها بعد وفاته. في يوم ما يأتيه تابعه محذرا أن أهله عرفوا مكانه وسيصلون مع الصباح لقتله. يصلي الشيخ الفجر ويلم حاجياته القليلة ويأخذه النوم ليحلم بمن يخبره  ألا يغادر بغداد التي دفن فيها ألف ولي وولي كفيلين بحمايتها وحمايته ويقرر البقاء، ويتحول مرقده الى مزار ويدفن الآلاف قربه، وتتحول المنطقة بأكملها الى مزار للحب. وتولد بغداد يوميا من الحلم..
نرمين المفتي