اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 أطفال القراءة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
 
أول زيارة لي إلى مدينة إسطنبول كانت في العام 2005،  التقيت حينها بكبار كتابها وشعرائها، وفي يوم كان قد دعاني السيد مهميت أولمز إلى احتفال في شارع الاستقلال المزدحم بالمقاهي وبالمكتبات وبمحلات الموضة أيضا، فقد درجت الثقافة التركية بتقليدها للثقافة الغربية باكرا.
وقبل بدء الحفل كنت تجولت في الغاليريهات الفنية، ومحلات الاسطوانات الموسيقية، والمكتبات، ومع أن الشارع هو مثل كل شارع في هذه الدنيا بازدحامه ولكني انتبهت أيضا أنه شارع المثقفين، الشارع الذي يرتاده الشعراء والروائيون والسياسيون والطلاب والسواح الأجانب. كانت ظهيرة شتائية مشمسة، وقد توقفت أمام واحدة من أكبر مكتباته وهي مكتبة رامز قتابفي، كانت الرفوف مملوءة بالكتب، لا الكتب التركية التي تحمل أسماء شعرائها وروائيها وكتابها، إنما الكتب الأجنبية المترجمة أيضا: روايات دستيوفسكي وجيمس جويس وأندريه مالرو وسارتر، وكتب قديمة وحديثة من كارل ماركس إلى بول أوستر.
شيء لافت للانتباه بطبيعة الأمر، ذلك أن الثقافة التركية تلاحق الإنتاج الثقافي العالمي دون تمييز، أدب أوربي، أفريقي، صيني، ياباني، هذا يعني أنها لا تتبع سياسييها في موضوعة تحول الدولة التي كانت يوما ممثلة للخلافة الإسلامية، بل ممثلة للشرق وممثلة لآسيا إلى دولة أوربية، وهو أمر لا يمكن إغفاله مطلقا، بل هو شغل شاغل للناس، في الجامعة وفي الباص وفي الشارع وفي المقهى، وفي كل مكان...لكن تركيا، أو لنقل أن الثقافة التركية، وهي ممثلة للشرق بالفعل، وحتى اليوم وعلى الأقل من الناحية الثقافية، فهي عالمية، وكونية، مثلما كانت في يوم من الأيام إمبراطورية، وهي مازلت حتى هذه اللحظة على صلة بالشرق...حتى وإن لم تعد متربول الشرق الحواضري لا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا سياسيا.
كنت أقلب الكتب أقرأ العناوين بتركية ضعيفة، وأحاول أن أسأل مساعدة السيد مهميت أولمز وهي سيدة تركية كبيرة السن ومثقفة جدا وقد كانت يومها برفقتي عن بعض المعاني، وأردها إلى مكانها، أبحث في كتب السياسة والاجتماع والروايات، بعضه أعرفه، والآخر أجهله، والغالبية المطلقة من أسماء الكتاب الأتراك هم مجهولون نسبة لنا بطبيعة الأمر...ذلك لأن ثقافتنا لا تهتم عمليا إلا بما ينتجه الغرب، وحتى كتابهم الأكثر شهرة مثل ناظم حكمت أو أورهان باموق أو نديم غورسيل أو عزيز نسين فإنهم لم يفدوا إلينا إلا بعد أن احتفت بهم الثقافة الغربية، وقد وصلوا إلينا عبر لغات أوربية أولا، ومن ثم أخذ الاهتمام بهم يتصاعد عبر مترجمين عرب كانوا قد ترجموا بعض أعمالهم مباشرة من التركية إلى اللغة العربية.
وأنا أقلب في كتب الشعر وقع بيدي ديوان لآدونيس مترجما إلى التركية...يا لفرحتي تلك اللحظة واندهاشي لسرعة هذا التواصل الحي لثقافة لا أقول مجاورة لثقافتنا، بل محايثة لها، فقبل مئة عام كانت اللغة التركية والثقافة التركية هي ثقافتنا الرسمية، هي لغة أعظم كتابنا التي درسوا عليها ودرسوا بها مثل الزهاوي والرصافي وندرة مطران وغيرهم، كانت استنبول هي المتربول الحواضري لثقافتنا، هي ينبوع أفكارنا، ومهد سياستنا، هي إمبراطوريتنا التي دافع عنها أجدادنا في حروبها الكثيرة وهلكوا فيها من حرب القرم إلى حرب البلقان، فمن غير المعقول أن تنتهي أواصر الثقافة بيننا بلحظة واحدة، وتصبح غريبة وهامشية وبعيدة ونائية. ربما لأننا بعد السلطنة ودخولنا عصر الاستقلال، ودخول تركيا الحديثة عصر الجمهورية الأتاتوركية المتجهة بكليتها إلى أوربا، قد أشحنا بوجوهنا عنها، وأدارت هي ظهرها لنا، وهذا الأمر مفهوم دون شك على المستوى السياسي، ولكن ألا يجدر بنا أن نصحح هذا الموقف على المستوى الثقافي؟
لم تكن كتب آدونيس وحدها المترجمة إلى التركية بل كانت دواوين محمود درويش أيضا، ولا سيما ديوان أعراس، وقصيدته الطويلة عن حصار بيروت، وهناك ترجمات لقصيدة صور لعباس بيضون وقصائد لأمجد ناصر وقصائد لنزار قباني ولشعراء آخرين، وكلها من ترجمة اسم مجهول لدينا هو متين فندقجي، وكان من حقي ذلك الوقت أن أسأل باندهاش كامل:
-من متين فندقجي؟
بعد أربعة أعوام من هذا التاريخ كنت مدعوا في إحد مهرجانات الشعر في العالم العربي، جلس شاعر تركي على مقربة مني، وقدم نفسه لي باقتضاب كامل: متين فندقجي..شاعر تركي! رن الاسم في أذني في البداية بشكل مألوف، ولكن بعد دقائق، تذكرته فسألته:
-أنت متين فندقجي الذي ترجم آدونيس ومحمود درويش؟
شعر بسعادة بالغة قال نعم هو أنا. 
شعرت أنا أيضا بسعادة حقيقية لدعوته إلى مهرجان شعري عربي بدلا من الكثيرين الذين لم يقدموا شيئا للثقافة العربية،  واقترحت عليه وقتها ترجمة سركون بولص وبدر شاكر السياب، وقد طلب مني أن أوفر له هذه الدواوين، وكنت بالفعل في زيارتي إلى تركيا للمشاركة في المهرجان الكبير عن خوجة نصري أو جحا، كنت جلبت له الكثير من الدواوين الشعرية العراقية، الدواوين التي قدمها لي أصدقاء وشعراء على سبيل الهدية، وهذا رأيي دائما بدلا من الاحتفاظ بالكتب العربية التي لا نعرف أين نضعها في التنقل والترحال، علينا إهداؤها إلى المؤسسات الثقافية الغربية، للمترجمين للجامعات للمكتبات الوطنية، ستكون عندئذ فائدتها أشمل وأعم. 
كانت سعادته لا تضاهى وأنا أقدم له الكتب العربية، وقد سمعت منه فيما بعد بترجمة العديد من القصائد العراقية إلى التركية. 
الثقافات لا تعيش بمفردها على الإطلاق...لا تعيش معزولة ولا منفردة، ولا تسهم فقط بتهذيب أحاسيس الناس وتمنحهم الأمل، إنما تعرف الثقافات الأخرى بنفسها وتسهم بتعزيز التقارب بين الشعوب وتعزز السلام... هذا السلام الذي نحن أحوج ما نكون إليه.
علي بدر