اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
عروة: العاشق الأزلي
عروة: العاشق الأزلي
 
"ذرعت شوارع دبلن يوماً كاملاً، وأنا أردد هذه الجملة.. آه نورا، هل ثمة أمل لاسعادي؟ أم أن حياتي أوشكت على الانتهاء؟".
جيمس جويس
من رسائله إلى زوجته نورا
هذا نموذج خاص من أصحاب "المقامات" أريد له أن يكون خارج هذه الخانات وبعيدا عن تلك الحالات، لأن الكاتبين في شأنه وشؤون رهطه، مارسوا ضده اقصاء متعمداً، فجعلوه لصاً لا يقيم وزناً لشرع، ولا يرعى حرمة، حتى لو كانت لامرأة حرة.
لكن هذا الاستئصال لا يجرؤ على الوقوف أمام فلسفة الحرية والحب والمساواة التي نذر عروة بن الورد، نفسه من أجلها، فنصبه الناس المنصفون أميراً للمحرومين والدعاة إلى عالم لا جوع فيه ولا فقر، سداه ولحمته التعاون والتعاضد والتضحية وتقاسم أرزاق الله وخيراته بين الناس بالعدل:
إنّي إمْرؤ عافي، إنائي شركة         
وأنت امرؤ عَافِي إناؤك واحدُ            
أقسّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ
وأحسو قراح الماء والماء بارد
أتهزأ منّي أن سمعت وأنْ ترى 
بجسمي شحوب الحق والحق جامدُ
وهو في هذه الأطروحة الفكرية، يطرح نفسه إنساناً لا ينتمي إلى قبيلته: عبس، وإنما انتماؤه يتعداها ويتجاوز ثقافته العربية إلى ثقافة إنسانية شاملة، فكأنه بذلك صنو الثائر والعاشق الأشهر: سبارتاكوس، أو لا يجاريه في فضائل هذا الاختيار، سوى الشنفرى والسليك بن السلكة، وتأبط شراً، وغيرهم من رموز هذه العشيرة الجديدة على الثقافة العربية.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن أطروحته الفكرية تنبئنا عن نمط لا نظير له من العشاق العرب الأحرار، الذين ارتضوا أن يسكنوا القفار ويهجروا القصور، ويصادقوا الحيوان والمخاليق الصحراوية الأسطورية، بدلا من حياة الملقة والضعة والخنوع.
إن حبه للعدالة والحرية والمساواة بين البشر، وألا يبيت أخوه جائعاً، ولا تمد حرة يدها دفعاً لحاجة، أو تعرض عربية جسدها وكرامتها في سوق النخاسة، بوأه كرسيا لا نظير له في محيطات العشق والفناء في "الآخر".
و"الفناء في الآخر" عمود فسطاط فلسفة أهل الحب وطلاب الحقيقة، لأنها فكرة تقترب من التوجه إلى المحبوب "الرمز" الأبدي، لا إلى المحبوب "المتعني" القابل للموت والنقصان والخيانة.
 
وهو بهذا "صوفي" له امتدادات في الثقافة الإنسانية، فهو مثل "روبن هود" الأوروبي، ومرادفاته في الأمم والأقوام البشرية، بصرف النظر عن نعوت الثقافة الرسمية لهم، أو سعي وعاظ السلاطين في الحط من شأنهم، أو تسميتهم بـ "الصعاليك".
بل إنه يفتخر بهذا اللقب: صعلوك، لأنه لا يمتلك شيئا يفقده في سبيل قومه، إلا انحلاله وأطماع النفس الامّارة بالسوء:
لحى الله صعلوكاً إذا جن ليله
مصافي المشاش ألفاً كل مجزر
يعد الغنى من دهره كل ليلة
أصاب قراها من صديق ميسر
ينام عشاء ثم يصبح قاعدا
يحت الحصى عن جنبه المتعفر
ولله صعلوك صفيحة وجهه
كضوء شهاب القابس المتنور
مطلّ على أعدائه يزجرونه
بساحتهم زجر المنيح المشهّر
تلخص هذه الأبيات الستة فلسفة الصعلكة في كتاب الحرية البشرية كله، منذ أول تقسيم للعمل إلى يومنا هذا، ولو انها وضعت أمام كبار فلاسفة الحرية في التاريخ، بل وحتى طلاب العدالة في أيامنا هذه، لقالوا إن هذا العربي العبسي يعبر عن ضميرنا جميعا.
وهو -في الواقع- كان يترجم حاله أمام زوجته التي غالبا ما كانت تنهاه عن مسلكه هذا، فلا يملك إلا تماديا في الانخراط في صفوف الغزاة الذين لا يريدون رؤية أخ لهم  وهو يبيت خالي الوفاض يتضور أطفاله ألماً من انغراس ناب الجوع في أمعائهم.
ذريني ونفسي -أم حسان- إنني
ها قبل ألا أملك البيع مشتري
ان اختياره لحريته، ودفاعه عن حرية الفقراء العرب، لا يجليه خير تجلية، إلا "ابن قتيبة" في قصته مع تلك المرأة الكنانية التي سباها من قومها، ثم جاءه هؤلاء يطلبون أختهم، فقال: خيّروها، فإن ذهبت معكم هي حرة، وان بقيت معي، هي حرة أيضا.
واختارت الكنانية أن تكون مع قومها، على الرغم من معرفتها بحبها له وحبه لها، وقالت له: لا أعرف امرأة ألقت ستراً على خير منك، أغفل عيناً وأقل فحشاً!
هذا انصاف للرجل، واحترام له، فالكنانية التي ولدت له أبناء، لا تريد تلويث سمعة قومها من جانب، ولا تبغي الإساءة إليه من جانب آخر، بل إنها تصفه بالطهر والعفة.
هذه الشمائل الحميدة هي التي جعلت رهطه أجمعين في نظر الناس أتقياء ورعين لا يبيتون واخوانهم في مخمصة، ولا يعرضون ذا حاجة إلى فاقة، بل يفتدون بأنفسهم ودمائهم نداءات الفقراء الأحرار الذين لا يمتلكون سوى مروءة الحب وعافية الاخلاص.
وتلك هي معادن وصفات هذا العاشق الأزلي للحرية، الذي أشار إليه بالترميز، أبو الطمحان القيني:
وإني من القوم الذين هم هم
إذا مات منهم سيداً قام صاحبه
نجوم سماء كلما غار كوكب
بدأ كوكب تأوي إليه كواكبه
وهكذا خلق عشاق الحرية، في جميع الأمصار وعلى مر الأزمنة.
جمعة اللامي