اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
أطفال القراءة
أطفال القراءة
 
لم يدر في خلدي يوما أنني سألتقي بالكاتبة جي كي رولنغ مؤلفة الكتاب المشهور هاري بوتر. كان ذلك في العام 2009، وكنت مدعوا لمهرجان القراءة في جامعة أوكسفورد. وقد شاء المنظمون أن يبيت الكتاب في فندق الجامعة، وهو فندق صغير وجميل أشبه بالقسم الداخلي ويضم مطعما صغيرا في الطابق الأسفل، 
في الصباح كنا على مائدة واحدة، تجلس قبالتي الكاتبة المشهورة، وطوال الفطور كان عمال المطعم يطلبون منها تواقيع لكتب جلبوها معهم من أجل أولادهم، أو من أجل أصدقائهم، أو من أجلهم. والأغرب هي مديرة المطعم التي طلبت توقيعا على قميصها وكانت مبتهجة جدا.
هذا ذكرني بالأجواء التي صادفتني في عام إصدار الجزء السادس من هذه الرواية، وكنت وقتها قد وصلت أوربا حديثا، ولم استقر بعد في مكان محدد، فكنت أتنقل من مكان إلى مكان آخر غير آبه بمن حولي: لا بالقراء ولا بالكتّاب، لا بالمكتبات ولا بالمؤتمرات، لا بالمثقفين ولا بالعلماء، لا بالسياسيين ولا بالنخبة، ولا بأي أحد آخر. كنت أتنقل من مطار إلى مطار، من مترو إلى مترو، من فندق إلى فندق، من شارع إلى شارع، من حافلة إلى أخرى، أحيانا ألتقي بأصدقاء قدماء، عراقيين أو عرب أو أجانب. من روسيا من أميركا من فرنسا من جنوب أفريقيا من آسيا ...من أماكن عدة...لا تخطر على بال أحد. كان الموضوع على الدوام هو الشرق الأوسط، ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوربية، تعطل التنمية في البلدان العربية، اتساع الأمية، حرية الكتاب والكتابة، الصحافة، الإعلان، السينما، الفيديو، الخ الخ الخ.بعدها عبرت إلى الولايات المتحدة، وكنت وقتها في ميشيغان، أحمل على ظهري حقيبة صغيرة من القماش ولا أكثر من عاديتها، كاكية اللون، تحتوي على ملابس بسيطة، وأدوات حلاقة، وورق وأقلام، ومسجل، وكتابين اثنين فقط أحدهما عن الشرق الأوسط، والآخر رواية عن بلد كنت أنوي زيارته..وحين وصلت إلى مكتبة صغيرة قريبة من الفندق الذي كنت أقطنه كان إعلان هاري بوتر يتصدر الواجهة، في تلك اللحظة حاولت أن أتجاهله وأسأل عن كتب أخرى:
“ هولبيك...ميشيل روا...بيير جان لويزار...والخ..والخ”.
-نحن اليوم مشغولون بتوزيع الجزء السادس من هاري بوتر... قالت البائعة الشابة.
كان علي أن أعبر أكثر من عشرين طفلا لأصل إلى الكاشير، كان علي أن أبتسم لهم وهم يبتسمون فرحين بالنسخة الجميلة التي اقتنوها من الكتاب. كانوا ينظرون للكتاب الذي قررت شراءه وربما كانوا مستغربين ومندهشين لأن الكتاب الذي اشتريته لم يكن الجزء الأخير من هاري بوتر، الأطفال قد اصطحبوا آباءهم وأمهاتهم إلى المكتبات لشراء نسختهم من كتاب الكاتبة الشابة جي كي رولنغ، أحداث هاري بوتر الأخيرة.
نسخ الرواية موضوعة على الطاولات في كل مكان، في المطارات، في المتروات، في المقاهي، في الشوارع، في بوتيكات الملابس، في محطات البترول. يفتح العامل خرطوم البترول ويضعه بالسيارة بينما يدخل شخص آخر رواية هاري بوتر من زجاج نافذة السيارة. تدخل السوبر ماركتات الكبيرة والصغيرة، ستجد بدلا من الزحام على الملابس أو على الطعام أو على الأواني كما كنت تراها كل مرة. ستجد زحاما آخر. زحام على المكتبة، وهنالك أكثر من بائع وبائعة مشغول بهؤلاء الصغار الذين تزاحموا ليقتنوا نسختهم من روايتهم المفضلة.
أعود إلى الفندق، في البهو كانت الكتب موضوعة على طاولة قريبة من مكتب الاستعلامات، تقف البائعة وحيدة وهي تبتسم للزبائن الذين يلقون نظرة ويمرون. ابتسم للموظفة وأنا أحمل مفتاحي وأجري سريعا نحو المصعد.
-هل اقتنيت نسختك من هاري بوتر؟
-لست طفلا! قلت لها وأنا أضحك.
ابتسمت مندهشة.
في المصعد إعلان عن الجزء الأخير من هاري بوتر. أفتح الحجرة، ألقي حقيبتي على السرير. أغسل وجهي وأمسك كتابي وأقرأ بعض صفحاته. أنهض ثم أفتح التلفزيون، أقلب المحطات.. كل المحطات مشغولة بهاري بوتر. صورة مئات الأطفال الذين يتجمعون ليلا ..وبعضهم في ساعة متأخرة من الليل لاقتناء نسخة من رواية هاري بوتر..امرأة تحتج قائلة إن أبناءها لن يناموا الليلة إن لم يحصلوا على نسختهم من رواية هاري بوتر...بينما تؤكد المذيعة أن ملايين الأطفال اقتنوا نسخهم من الرواية هذه الليلة، وآخرون سيقتنوها في اليومين التاليين.
هؤلاء الصغار برؤوسهم الصغيرة، وعيونهم المسحوبة برقة، وابتساماتهم الشيطانية التي تملأ الشاشات، صنعوا أعجوبة حقيقية أليس كذلك؟ الكاتبة التي أحبوها ملكت أكثر من ثلاثة مليارات بسببهم، وحصلت على شهرة يحسدها عليها كل كتاب الأرض قاطبة من أول يوم بدأت فيه ما نطلق عليه اليوم (الحضارة الكتابية) وحتى وقتنا الحاضر. وعلينا أن نعترف أن أعظم الكتاب لم يستطع أن يصل بقرائه ما وصلت إليه كي جي رولنغ، لا شكسبير ولا دستيوفسكي ولا مالرو ولا همنغواي ولا المتنبي ولا أي كاتب آخر على الأرض استطاع أن يحشد قراءً يناهز هذا العدد الكبير من القراء، لا أقول القراء الصغار، بل أقول (قراء) فقط. فلم يحدث في تاريخ الثقافة على الإطلاق أن يتمكن كاتب واحد تحشيد -قراء مهتمين ومحبين ومصرين كهؤلاء القراء الصغار_وهذه المرة أقول قرّاء صغارا- ولكني لا أقول إلى الدرجة التي تنشغل به المكتبات ومحطات البترول والمطاعم والفنادق والبوتيكات والسوبر ماركتات والحافلات والمقاهي...هل يمكن لكاتب اليوم ممن نقرأه نحن الكبار أن يحشد بليلة واحدة هذا العدد من القراء الذين يخرجون منتصف الليل لاقتناء طبعتهم من كتابه؟
إذن هؤلاء الصغار انتصروا فعلا على الكبار وعلى كتبهم وعلى كتابهم وعلى تاريخهم وسياستهم وثقافتهم ومجتمعاتهم وأنا لا أغفل عوامل كثيرة نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وربحية وووو...ودور الكاتبة وكل هذا في تكوين ما نطلق عليه اليوم بالأسطورة الحديثة، ولكن ما يهمني هنا هو تكوين الرأي العام، لقد استطاع هؤلاء الأطفال تكوين رأي عام على طريقتهم، وبأسلوبهم وانتصروا لما يريدون وحققوا ما يرغبون.
علي بدر