اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
مطر للروح
مطر للروح
 
كانت قطرة مطر متعلقة بشعاع ضوء، تتزحلق، تكاد تسقط.. وتتمسك بشعاع قنديل اعلى عمود الكهرباء.. وتتضامن معها قطرات تكاد تسقط، وتلتحم قطرة باخرى.. تصبح القطرة كبيرة وتتزحلق بمرح، كانت القطرة الاولى تبتسم وكدت اسمع رنة ضحكتها.. تلك القطرة نبهتني الى حلاوة المطر في ليلة ايقظني بها صوت الرعد فزعة وانا طفلة في عام يبدو الآن وكأنه خيال بعيد جدا، والصقت وجهي بزجاج النافذة هاربة من فزعي لاصادق تلك القطرة التي لا تزال تعرفني.. اجدها في الشارع امام اضواء سيارتي، في الحديقة وان كان التيار الكهربائي مقطوعا، تنزل لي مع شعاع واهن من ضوء قمر مختبئ خلف الغيوم.. ايام العنف الطائفي، اصبحت اخافها، ان امسكها وتفجر كفي، واصبحت اتخيلها قطرة دم.. لكنها برهنت لي انها قطرة مطر، لن تخون ولن تكون طائفية، تبقى حنونة وحميمة، دافئة ولذيذة.. لم تتسخ رغم وساخة الشارع التي تحيل شقيقاتها القطرات الى وحل رغما عنهن..
الشارع قاس جدا، ولكن في زواياه ثمة قطرات مطر تنعش الروح، واجمل القطرات تلك التي في شارع المتنبي  وحدائق القشلة وحلقاتها النقاشية في ايام الجمع. في جمعة ماضية، وفي حلقة نقاش (التنوير الانساني) التي تؤكد محاضراتها ومناقشاتها ان الانسان قيمة عليا، وفي محاضرة للفنان قائد الفرقة السيمفونية العراقية عن الهندسة المجتمعية، قدم شاب بسيط جداً بملابسه، مداخلة قصيرة، شرحت بكلمات معدودة محاضرة وصفي القيمة رغم صعوبة مصطلحاتها. تحدث الشاب بأدب عال وثقافة واضحة وانهى حديثه قائلا بأنه عامل نظافة. مصطفى، عرفت اسمه بعد انتهاء المناقشات، قال بأن والده كان سجينا سياسيا ولم يحصل على اية امتيازات واستمر بلا عمل الى ان وجد له احدهم عملا في شركة مقاولات ولسوء حظه تعرض الى حادث سقوط من طابق عال وتوفى في الحال، مرة اخرى لم تحصل عائلته على اي تعويض لان شركة المقاولات التي كان يعمل بها لم تسجل اسمه في الضمان الاجتماعي!! وكان مصطفى قد نحج في الصف الثالث المتوسط وترك الدراسة وبدأ يعمل (عامل قمامة) في شركة تنظيف ثم منظفا في احدى مؤسسات الدولة. لم يكن خجلا من عمله، اثناء حديثي معه، مرة اخرى ادهشني بثقافته ونظرته الى الحياة والغد.. مصطفى، رغم قساوة الظروف، يستمر في عمله وحضوره الى المتنبي كل يوم جمعة وشراء ما يقدر حسب امكانياته المادية من الكتب. مصطفى درس كبير في الاصرار على الحياة والعيش بنظافة اليد والقلب.. درس كبير في الاعتزاز بالنفس وان العمل، اي عمل، لا ينقص من قيمة الانسان انما يزيده بهاء. قال انه حين يعمل، يحاول ان يكون عمله متقنا وان لا يترك خلفه ما يجعل الاخرين ينتقدونه او يقومون بانهائه نيابة عنه وتمنى لو ان الجميع يقومون بأعمالهم باخلاص وانتماء.
في كل زاوية في الشارع او في النفس، مطر للروح.. مطر للقلب.. مطر للتسامح.. مطر لنبذ الطائفية والمحاصصة.. مطر للتحضر، واولى خطوات التحضر هي قبول الآخر ورأيه.. مطر للمحبة.. وايامكم مطر ندي.
نرمين المفتي