اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
لقاء مع كينيار أم مع كتابه؟ـ
لقاء مع كينيار أم مع كتابه؟ـ
 
كنت تعرفت على الكاتب الفرنسي باسكال كينيار قبل أعوام في ربيع الشعراء الذي تقيمه فرنسا كل عام في آذار، لم تثر انتباهي شخصيته الصامتة، كان يتحرك ببطء شديد مثل سلحفاة. ثم انتقلنا إلى صالة كبيرة كانت تعج بالكتب والمشروبات. التقيت هناك كاتبا أفريقيا قد أصدر كتابا عن اللغة وما بعد الاستعمار.
وعلى طاولة طويلة جدا أعدت عليها مائدة من أكلات خفيفة وكؤوس للشراب تجمع عليها حشد من الأدباء والصحفيين والناشرين من كل أنحاء العالم، توقفنا أنا والكاتب الأفريقي واندمجنا بحديث متشعب. 
لقد بقيت بعيدا تماما عن المنطقة التي كان يعمل بها كينيار وجاهلا في واقع الأمر بإنتاجه، حتى قرأت خبرا صغيرا عن تسلمه جائزة الغونكور عن كتابه الغريب «الظلال الهاربة الجزء الأول من المملكة الأخيرة»، ولم أسع للحصول على هذا الكتاب أو السؤال عنه مطلقا، غير إني وجدت نسخة منه بالمصادفة في مكتبة لكتب أجنبية قريبة من جامعة طهران، فاشتريته وذهبت به إلى الفندق الذي كنت أقطن فيه، حاولت قراءته إلا إنني لم أستطع، لقد وجدته فجا ثقيلا، ولم استطع إنهاء الفصل الأول منه، وبدلا من ذلك أخذت أتسلى بصحف إنجليزية عثرت عليها في لوبي الفندق.
حين غادرت طهران وضعت الكتاب في جيب حقيبتي، غير إني نسيته هناك ولم أعثر عليه إلا بعد شهرين حينما ذهبت إلى تركيا للمشاركة في المهرجان التاريخي للاحتفال بنصر الدين خوجه، أو جحا كما نطلق عليه بالعربية، في صباح أحد الأيام كنت في أنطاليا قريبا من مدينة قونيا التي تضم قبر مولانا جلال الدين الرومي اكتشفت الكتاب في حقيبتي، ولأني لم اصطحب أي كتاب معي ذلك الوقت، أخذت أقرأ كتاب باسكال كينيار، وكانت مفاجأتي على أشدها حين وجدت شيئا آخر تماما، شيئا لم أشعر به في القراءة الأولى مطلقا، لقد اكتشفت فيه كتابا هائلا سحرني بلغته وأفكاره، فأنهيت قراءته بيوم واحد.
جذبني هذا الكتاب نحوه بقوة لا لأن نصوصه تقع في منطقة وسطى بين النثر والشعر، حسب، إنما لأنها نصوص من الحكمة والفلسفة والرؤى والمشاعر والذكريات والقراءات التي تمتد من الإمبراطوريات الصينية إلى اليوم، لقد اكتشفت صوتا جديدا، صوتا متمردا، صوتا غريبا في نبرته، غير مألوف في إيقاعه، وقد سحرني بقوته التي كنت لاهيا عنها فيما مضى، أدهشني بلغة احتجاجه، بتفجره، بمفرداته ومعانيه الجديدة، أدهشني بلغة انشقاقه التي ترتكز إلى طرائق جديدة في المحاججة العقلية، لقد اكتشفت نصوصا وجدانية تأملية ساحرة، وكلاما تحرر نهائيا من كل تابو، إنه صراخ يقول ولا يقول، كلام بريء في جمله فتاك في معناه، عاجز عن أداء المعنى ومملوء بكل معنى، كلام يتفجر وجمل تحرق، كلام يهدر يفترس ويفتت، تيار جامح،  انقراض وانبعاث, جمود وحركة، مسكون وفارغ، متناقض ومنطقي، معتم وصاف، رمل ومطر، طبيعة وكتاب، إيقاع مستمر وحركة متقطعة، تشريح وتطهير نزق, تبشير بالخروج والانشقاق، تكامل وتنازع، فذ باحث عن المعنى، ورديء بلا معنى، هجاء يقودك من عبث إلى عبث، من استلاب إلى استلاب, قلق عظيم مصنوع من أسئلة وجروح، مزيج من رؤى وفلسفات, حركة في العقل وفي الروح، حركة في الجسد والمخيلة, إنه  انطواء هدام وعجز خارق.
توقفت.. نظرت إلى بنفسجتين تتفتحان على جذع قديم، إزهرار يواجه الربيع، حديقة صغيرة في المدينة، جذع أوسع من خصر فتاة تركية تتجول هناك، كانت الشجرة القديمة بلحائها الخشن المغطى بالأشنة تشبه الكلام القديم المنقوش على صفحات الكتاب، ما الذي تغير في؟ سألت نفسي..كيف قرأته في ما مضى؟ كيف رأيته؟ كيف كرهته؟ كيف نبذته؟ كيف لهيت عنه، هو الذي تغير أم أنا الذي تغيرت؟ هذه الحركة في الروح وفي البدن وفي المخيلة من المسؤول عنها؟ 
في طهران لم أستطع قراءة الكتاب، ولا النظر في صفحاته، وجه كينيار الباكي كلما تذكرته ينفرني من الكلام المنقوش على الصفحة البيضاء، ذكراه تزعجني، ولم يكن المناخ في طهران معتدلا. الشوارع القديمة، الأشجار الضخمة المعمرة، دكاكين الحلاقين، الجوامع، محطة القطار الحجرية، صالة الفندق الذي كنت أقطن فيه، حرفت ذهني نحو بوصلة أخرى، المناخ لم يكن معتدلا. ولم أعثر على حاجي بابا الأصفهاني التي ابتدعتها العقلية الغربية في القرن الثامن عشر، ولم احصل على الشعور ذاته حين قرأت الكتاب في الصيف. 
جلست على الرصيف كي أقرأ أمام الميدان المعد كمسرح للطبيعة، حين امتدت الأغصان مظللة المكان، نهايات الأغصان تدلت بفعل ثقلها، وبنفسجة جديدة على جذع قديم تطلع ببطء، منفصلة عن الأشنة أسفلها..تجولت أمام الدكاكين المفتوحة التي تعرض بضائعها، كان الكتاب بيدي، شجر الصنوبر المعمر الرائع هناك، الورد الذي يتفتح، جذع الشجرة المغطى بالأشنات، جمال المرأة التي اشتريت منها سندويشا وأناقتها، عدت لأجلس على الرصيف، قرب بركة صغيرة ساكنة، قرب المطاعم والمكتبات، على مقربة من سياج حديقة، فراشتان تدوران تحت الأشعة الناعمة، ترفرفان، وأنا أكل الساندويش وأقرأ أسطرا من الكتاب، ثم أنظر إلى الحياة التي تمور بالقرب مني، هذا المعطى الألهي الجميل، هذا الكرم الباذخ، هذه السعادة ببساطتها العارية، ماذا يريد الإنسان أكثر من هذا؟
ما الذي أريده أكثر من هذا على الأرض، حكمة قديمة في كتاب: شجرة معمرة مغطى جذعها بالأشنة، ملابس ولا أكثر من عاديتها، دولار واحد في جيبي، وفي يدي سندويش يشعرني بالشبع والامتلاء، ما الذي نريده أكثر من هذا: حروب هوميرية في كل مكان، أطفال يقتلون، بشر يجوعون، ونحن مهددون بحروب الذين يحملون هوياتهم مثل سيوف ويبيدون ويغتصبون ويسلبون ويحرقون..نحن مهددون بوجوه الذين يحبرون الورق تحريضا على الموت والكراهية والقتل. ما الذي نريد أكثر من هذا، أكثر من هذا المعطى البسيط كي نكتب عنه..حكمة قديمة في كتاب؟
علي بدر