اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
ما فاتك من أخبار معاني البغدادية وبيترو الإيطالي
ما فاتك من أخبار معاني البغدادية وبيترو الإيطالي
 
هل تعلمين يا صديقتي، أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة، وهل تعلمين أني كنت أقول لذاتي: هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا، قد دخلت الهيكل قبل ولادتها، ووقفت في قدس الأقداس، فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح، ثم اتخذت بلادي بلاداً لها، وقومي قوماً لها.
«بيترو ديللا فالييه» هذا النبيل الإيطالي، الذي عاش في القرن السابع عشر، وغادر بلاده هربا من الفشل وبحثا عن الخلاص كما هي ثقافة الأوروبيين في حينه، قدم لشعبه قصة حب، وشعرا عذريا، لم تكن امبراطورية  روما مترامية الاطراف، تسمع به الا بعد ان وصلت حكاية حبه لفتاة عراقية، الى الفتيكان: عاصمة الكاثوليكية.
هو لم يسمع بأنباء فقيه الحب «ابن حزم» القرطبي الاندلسي الظاهري، الذي خلف وراءه (400) مجلد في (80) ألف صفحة، بينها كتابه الأشهر في هذا المقام: «طوق الحمامة». لكنه أثبت ما قاله الشاعر الغرير بشار بن برد في الحب: والاذن تعشق قبل العين.. احيانا.وهذا ما سوف يزلزل كيانه مع فتاة عراقية، جميلة ومتعلمة، ومن ملته الدينية، هي»معاني البغدادية»..
لم يعرف ديللا فالييه، إمام المحبين: «جميل بن معمر». ولم يسمع بمجنون ليلى قيس بن الملوح. ولم يلتق عروة بن حزام، صاحب عفراء. ولم يصاحب قيس بن ذريح حبيب لبنى، كما لم يصادف كثير عزة، وغيرهم من مخابيل العشق في كتاب الوجد العراقي والعربي والإنساني.
لكن هذا الإيطالي، بعدما تعرّف إلى تلك الشابة العراقية: معاني البغدادية، وتزوج بها، وحمل جثمانها ميتة طيلة أربع سنوات، أعاد تلخيص حياة العشاق العرب أجمعين في حكايته مع معاني وأرسلها إلى أوروبا، في صياغة تجاوزت الأعراق والأجناس والديانات والثقافات، لتتوحد في كلمة واحدة: الحب.
تعويض عشقي
 قال حكيم لأحد تلاميذه: اعشقوا.. فإن العشق يطلق اللسان العيي، ويبعث حيلة البليد»، وهذا ما حدث لذلك الإيطالي أيضاً، فهو أعاد تأليف حياته من جديد، بعدما فشل في خطب ود فتاة رومانية من ملته، فشعر بخيبة ضخمة ومرارة عظيمة، قرر على إثرهما التوجه إلى المشرق العربي، علّه ينسى الإهانة، ويستريح من الوصب، فكان أن قدمت له بغداد تعويضاً لم يكن يحلم به.
لقد التفت المشرق العربي إلى تراثه وثرائه فوجدهما في بغداد، في تلك الأيام: هذا ما سوف يكتبه الايطالي بيترو لاحقاً، فأخبار الشرق كانت مثار حديث الرحالة والكهنة والحجاج الأوروبيين، من القاهرة إلى طهران مروراً بالقدس وبغداد واسطنبول.
في مدينة حلب، بعدما غادر روما سنة 1614 التقى ديللا فالييه رجلاً ايطالياً عائداً لتوه من بغداد، فحدثه هذا الأخير عن فتاة عراقية، دخلت مجامع قلبه وملكت فؤاده، فكتب إلى أقرب أصدقائه: «كنت أنصت إليه أول الأمر لتزجية الوقت، ثم تولّد في نفسي شوق كبير للتعرف إلى هذه الفتاة. وتحول الشوق إلى حب».
الست معاني 
حطَّ ديللا فالييه رحاله في بغداد في (10 كانون الأول سنة 1619)، واقترب كثيرا من أهلها وثقافاتهم وعاداتهم، وأعلن عن رغبته في الزواج من «معاني». بيد أن عائلة «جويريدة» التي تماثله في الديانة المسيحية، تأبت وترفعت ومانعت. ولم يفلّ هذا في عضده، ولم يجعله يرتد محبطاً كما حدث له في بيضة بلاده: روما. وهذا ما جعل تلك الأسرة العراقية في نهاية المطاف، ترق لحاله وترأف بقلبه، وتوافق على الجمع بينه وبين معاني، التي سوف يسميها لاحقاً: «الست معاني» احتراماً وتقديراً وحباً.
غير أن قدر العشاق جميعاً، ضرب ذلك الايطالي في صميم قلبه، فبعد خمس سنوات من الهناءة في الحب، والعيش في رغد السعادة، عصف مرض الطاعون بزوجته الحبيبة، فتوفيت بعد معاناة طويلة، قرر على إثرها ان يدفنها كما لا يليق بأحد غيرها، وبطريقة لا يجترحها الا الشعراء العشاق.
الحبيبة المحنطة
قام ديللا فالييه بتحنيط جسد حبيبته العراقية بطريقة بدائية، وأبقاه إلى جانبه لمدة أربع سنوات، متنقلا بين عدة بلدان، يحمله على ظهره مرة، ويرقد إلى جواره مرة أخرى، ويرقبه تارة ثالثة وهو يواريه الثرى في مقبرة العائلة، في طقس جنائزي قلّ نظيره.
لقد انتقل الجثمان معه، من إيران إلى الهند، فبحر العرب، ومنه إلى العراق وسوريا. ولم يهدأ باله إلا بعد أن دفن «معاني البغدادية» بين قبري والديه عند كنيسة العذراء مريم في روما.
ان هذه النهاية، كانت قد كتبت نفسها، أول الأمر، بطريقة أخرى، بينما كان ذلك الشاب النبيل يعيش حبه بكونه قصيدة غير مكتوبة. كتب ديللا فالييه إلى أحد أصدقائه: «في الطريق إلى بغداد، ونحن نقطع الفيافي والجبال وقد غمرنا صمت عميق. وفي الليالي الحالكة وأنا بقرب زوجتي الحبيبة، باغتني ملاك الشعر، وإذا بالشعر يتدفق تدفقاً عجيباً من مخيلتي، فأردت الاقتداء بالأقدمين، فأصنع قصيدة إكراماً لزوجتي، أصف فيها رحلتي، وأعبر فيها عن حبي، ووضعت لهذه القصيدة الغزلية إسماً هو: إكليل جويريدة، نسبة إلى أسرة معاني»
وقبل ذلك كان قد كتب إلى ذلك الصديق: قبل أن أصل إلى بغداد بمدة طويلة، كانت أخبار (معاني) قد بلغتني. فعندما غادرنا حلب، التقيت برجل في القافلة كان يجالسني في خيمتي أثناء فترات الاستراحة. فكنا نتجاذب أطراف الحديث في أمور شتى، وكان يروي لي أخباراً كثيرة، ثم وصف لي شابة رآها في بغداد، وتعرف إلى أهلها، لأنه كان خبيراً في أمور بغداد، ومطلعاً على أحوال هذه العائلة. وكم من مرة مدحها أمامي، ووصف جمالها الجسدي وخصالها الروحية. فقد كان الرجل معجباً بها للغاية، وإلى حد الجنون.
«قبل أن أصل الى الفرات بمراحل، كانت مشاعري آخذة في الفوران، وصبري في النفاد. كنت أعد الساعات التي أقطع بها أرض ما بين النهرين لأصل إلى دجلة، وأذهب حالاً إلى بغداد فأمتع ناظري بتلك التي ملكت حواسي».
ان تراجيديا موت «معاني البغدادية»، أوحت للزوج العاشق، بفكرة رائدة في تخليد محبوبته، ليجعلها وكأنها جليسته دوماً، فكتب في يومياته بتاريخ (1-أغسطس- آب1626) ما يلي: «في الخامس والعشرين من تموز، قررت أن أواري الثرى جثمان زوجتي: الست معاني، التي رافقتني في سفراتي العديدة خلال السنوات الماضية، وذلك في ضريح أسرة ديللا فالييه في مصلى القديس بولس بكنيسة أراجيلي».
«أمرت باعداد صندوق من الرصاص، وضعت داخله صندوق الجثمان، ثم سمرته جيداً.. ووضعت عليه كتابة باللاتينية باسم المتوفاة».
..»وبعد أن حصلت على موافقة الجهات الرسمية، أخبرت الكاهن المسؤول، وسار الموكب الحزين بعد منتصف الليل، بينما ذهبت أنا الى الكنيسة انتظره. فدخلنا المصلى، ونزلت الى القبر لأقدم آخر خدمة لسيدتي العزيزة، وأضع بيدي الصندوق قرب أمي وأبي وأعمامي، ثم أغلق الضريح جيداً، وأعيد بناء الغطاء. وهكذا أديت آخر خدمة لزوجتي الجميلة: الست معاني، وأقمت الصلاة على روحها الطاهرة».
حب يليق باثنين من البشر عرفا أن العشق هبة الهية..
ومشهد أخلاقي جدير بأن يجعل من بغداد ترياقاً للمعذبين والمسحورين، حتى ولو كانوا أغراباً..
كتب شاعر ألمانيا العظيم، جوته، ان قراءتي لرحلة ديللا فالييه، حفزتني لمعرفة الشرق.
جمعة اللامي