اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
لقائي مع عبد الوهاب المسيري
لقائي مع عبد الوهاب المسيري
 
كنت التقيت المفكر المصري عبد الوهاب المسيري أول مرة في العام 2005، كان الوقت مساء، والقاهرة على غير عادتها قد اقتحمتها موجة برد قادمة من أوربا، ولم أكن متحصنا جيدا، فملابسي التي كنت أرتديها كانت خفيفة.
وما أن كنت خارجا من المقهى للذهاب إلى الفندق حتى التقيت في طريقي بالسيدة نريمان الساكت، وهي ابنة أحد كبار رجال الأعمال في مصر ولها علاقات واسعة مع المثقفين المصريين. فوقفنا نتحدث في الباب، إذ اقترحت علي ايصالي للفندق. وفي الطريق قالت: "ما رأيك نمر على الدكتور عبد الوهاب المسيري". ففرحت كثيرا لاقتراحها، وبالفعل مررت على الفندق، ارتديت كنزة صوفية على عجل، وعدت راكضا للسيارة. 
الفردوس الارضي 
زرناه في بيته، كان الرجل حميميا جدا، استقبلنا على طريقة المصري الطيب من أهل البلد. وكان دافئا في الكلام، حديثه شجي، ولا حد لتواضعه، كما بهرني بعلمه الجم، وثقافته الموسوعية وإخلاصه. فقد دخلت معه في نقاش جميل من أول دقيقة، ولا سيما عن كتابه الفردوس الأرضي الذي قرأته حينما كان عمري 15 عاما، وقد أثر بي تأثيرا بالغا. وقلت له وقتها أن هذا الكتاب هو من أروع الكتب على الإطلاق في تحليله للظاهرة الأميركية في السياقين الثقافي والسياسي. إلا أنه صمت ولم يعلق بأي شيء، فاستغربت. إذ لم أكن أعلم أن هذا الرجل قد تحول تحولا جذريا عن هذا الكتاب من مدة ليست قصيرة. 
ومن المناسب القول أن المسيري ارتبط بالحزب الشيوعي المصري منذ العام 1955، وقد بقي على علاقة مع المنهج المادي في كتبه الأولى أي قبل تحوله للفكر الإسلامي، وحتى في تحليله للظاهرة الرومانتيكية وهي جزء من دراسته الأكاديمية، فقد اقتفى بالاعتماد على منهج أدورنو وهوركايمر دور الاغتراب الذاتي كعتبة نوعية لنشأة الرأسمالية، أما تحليله لظاهرة الفن فربما قاده له ميسم الدمار الذي وسم الحداثة الغربية ذلك أن الرومانتيكية كانت تتغذى على الموت، ومثلما كانت الرومانتيكية ترتبط بما هو بطولي كانت الحداثة الغربية ترتبط بالموت البطولي أيضا، والرومانتيكية التي كانت تقوم على الانتحار ألهمت المسيري رؤية الرأسمالية وهي في طريقها إلى الانتحار، وإن كان الموت في الرومانتيكية لا يعني الانخذال أبدا، غير أن الموت في الرأسمالية هو المعادل الموضوعي لابتذال الكائن، وبهذا تخلى المجتمع التسليعي ومجتمع البطالة المتوحشة كلياً عن نزعات الرومانتيكية الأولى في مفهومي التضحية والتخلي.
فكر إيماني 
كان المكان دافئا، والجلسة حميمية، إلا أنني بدأت أفقه شيئا فشيئا تحولات هذا المفكر من المادية إلى المنهج التفسيري. 
من الواضح أن المسيري قد طور منهجه، في التخلي عن المنهج المادي لصالح ما أطلق عليه هو بالمنهج التفسيري، وإن كان هذا المنهج الذي اعتمده في كتابة الموسوعة الصهيونية يقوم على نموذج معرفي وتحليلي ولكنه كان نتاجا لعملية تحول فكري نقله من الفكر المادي المتأثر بالماركسية إلي الفكر الإيماني، وهذا الفكر هو الذي دفعه لإيجاد علاقة تعميمية مقارنة بين المجتمعات العربية والمجتمع الغربي. فوصفه للمجتمعات العربية بمجتمعات تراحمية ووصفه للمجتمعات الغربية بمجتمعات تعاقدية كان في غاية التعميمية، ومن خلال هذه الصورة ألغى الفروق بين الرأسمالية كقوة متحكمة وما ينتج داخل هذه المجتمعات من علاقات حب وروابط إنسانية ووجودية وكيانية، وأضفى على مجتمعاتنا صفة التراحم على الرغم مما يصيب هذه المجتمعات من تفكك وانهيار وتخلخل بسبب الجهل والأمية والفقر والاستبداد السياسي.
وقد عمم هنا مبدأ التعاقد في منهجه التفسيري الجديد في مرحلة تحوله الفكري الأيماني ليشمل التعاقد السياسي كذلك، وليطرح مفهوماً آخر يرتبط بالمفهوم الأول، هو: مفهوم الجماعات الوظيفية، والجماعات الوظيفية هي أثنيات أو أقليات توظف لإداء مهمات معينة، لتصبح إسرائيل فيما بعد هي جماعة وظيفية نشأت نتيجة لعملية تعاقدية تمت بين الغرب والحركة والصهيونية، وقد جلب الغرب من خلالها سكانا من خارج المنطقة وغرسها في العالم الإسلامي، وطبقا لمفهوم التعاقد عند عبد الوهاب المسيري فإن وظيفة هؤلاء السكان هو الدفاع عن الغرب والدفاع عن مصالحه، ووظيفة الغرب هو الدفاع عن أمن هذه الجماعة واستمرار وجودها، وبالتالي تصبح إسرائيل هي التجلي الإمبريالي للعلمانية الشاملة، ومفهوم العلمانية الشاملة الذي يصف المسيري به التطور السياسي في الغرب، هي الأيديولوجيا الكاسحة التي تنفي وجود الإنسان وتنفي وجود القيم، مع ذلك فإن هذا التفسير هو تفسير مادي، حتى وإن ظهر في لباس إيماني أو ميتافيزيقي. 
مفارقة
على العموم ما يهمني في تطور فكر عبد الوهاب المسيري هو نقطتان، الأولى أن الإيمان لا يصلح لإنتاج منهج علمي تفسيري شامل، وليس الخلل هنا في الإيمان بحد ذاته، ولكن المنهج العلمي بحاجة إلى عمليات شك دائمة وسيرورة نقدية لا يتوفر عليها الإيمان. النقطة الثانية هو المفارقة في فكر المسيري بحد ذاته، فقد كان ميتافيزيقيا في تفسير الظاهرة الإسرائيلية وهو في مرحلته المادية، وكان ماديا في تفسير هذه الظاهرة وهو في مرحلته الميتافيزيقية!
لقد غادرت منزل الدكتور عبد الوهاب المسيري في ساعة متأخرة من الليل، مترعا بالدفء والمعرفة. كانت القاهرة تستقبل الصباح، ففضلت المسير على جهة النيل عائدا إلى الفندق، مع ذلك كانت المدينة تعيش ليلها مثل نهارها، المقاهي مفتوحة، وعوامات النيل راسية، وضحكات المصريين ودعاباتهم تملأ الشارع. 
 
علي بدر