اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
جبران ومي..صورة العشاق الأحرار
جبران ومي..صورة العشاق الأحرار
 
هل تعلمين يا صديقتي، أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة، وهل تعلمين أني كنت أقول لذاتي: هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا، قد دخلت الهيكل قبل ولادتها، ووقفت في قدس الأقداس، فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح، ثم اتخذت بلادي بلاداً لها، وقومي قوماً لها.
جبران: 9 شباط 1919
وليست هذه أول مرة أذكرك فيها بين معاهد البلاد الغائبة وظلال الأزمنة القديمة. فقد ذكرتك في أسوان، وذكرتك عند عرش إله النيل ومعبد ايزيس..
فهل ستذكرينني؟ إنني آمل وأتوسل إليك. بل إنني واثق انك ستذكرين! واثق كل الثقة وسعيد كل السعادة بهذه الثقة الغالية.
فلا تنسي يا آنسة!
العقاد: أول يوليو 1925
وكانت دارتها في القاهرة موئل أعلام العصر العربي آنئذ: العقاد، طه حسين، ويكن. وغيرهم من رجالات الأدب والسياسة والتربية الذين يرون في الاختلاف إلى صالونها الأدبي امتيازاً خاصاً بهم.لكنها اختارت جبران خليل جبران، فقط، على الرغم من أنها لم تقابله وجهاً لوجه، ولم تره ولا مرة واحدة، وجهاً باسماً، وكفاً مرتبكة، وصوتاً متحشرجاً. بل حسبت انه ينظر إليها والهاً بكلماته وصوره التي تنشرها جرائد مصر وصحف لبنان.
تنقلت مي زيادة، بين فلسطين ولبنان ومصر وعدد من بلدان أوروبا، في بحث ظاهره استقصاء الأمكنة والتعرف إلى البشر والثقافات. بيد أن من يعرف الاهتمامات الفكرية والأخلاقية لهذه الكاتبة التي تربت في مدارس الراهبات، وقرأت منذ أوائل صباها خبرة أفكار الأخلاقيين والعرفانيين الفرنسيين، يدرك أنها كانت تبحث عن الحب في صورة انسان.
وذلك الانسان هو: جبران.
كتبت إليه من مصر وهو في أمريكا: «وبعد: فماذا أنت فاعل هذا المساء. وأين تقضي سهراتك. اطلب إليك أن تشركني الليلة في كل عمل تعمل، وان تصطحبني أنى ذهبت».
«فإذا اعتليت السطوح لترسل النظر الى العوالم التائهة في اللانهاية فخذني معك الى قلب الله».
«وإذا مضيت الى نادٍ أو سهرة أو اجتماع أو مسرح، فخذني معك الى قلب البشرية»
«وإذا بقيت مع نفسك عاكفاً على أفكارك وخواطرك، خذني معك إلى وطني».
صنو الروح 
وطنهما هو  الحب. وجبران في هجرته الى الولايات المتحدة كان يتوق أيضاً الى  أن يجد تلك الروح «الشرقية» التي ستلهمه فرائده التالية، لا سيما: «النبي» على الرغم من أنه محاط بالنساء الجميلات المثقفات. بل ان صديقته الأمريكية «ميتشيل»، كانت فيلقاً من الرحمة يحيط برجل جاء إليه المجد الأدبي يمشي على ساقين ثابتتين، بينما هو لا يزال في ريعان الشباب.
ولذلك رأيته يقع في غرام «مي زيادة» بعد عدة مراسلات قصيرة، لكنه غرام الذين يبحثون عن صنو الروح في «الآخر» وعشق الذين تشكل الكتابة الابداعية لديهم طريقاً الى اكتشاف أنفسهم والاتحاد بالحبيب الأول.
كتب إليها على الرغم من اعتلال صحته، خطاباً كأنه يخاطب من خلاله الحيوات في الوجود كله:
«هل بينكم من لا يترك أباه وأمه ومسقط رأسه، عندما تناديه الصبية التي أحبها قلبه؟».
«هل فيكم من لا يمخر البحر، ويقطع الصحارى، ويجتاز الجبال والأودية، ليلتقي المرأة التي اختارتها روحه؟».
«أي فتى لا يتبع قلبه إلى أقاصي الأرض، إذا كان له في أقاصي الأرض حبيبة يستطيب نكهة أنفاسها ويستلطف ملامس يديها ويستعذب رنة صوتها؟».
وهو يريد أيضاً أن يراها عياناً، لولا اعتلال صحته. كتب الى صديقه: «إميل زيدان» قائلاً: « ليس هناك أصعب من وجود روح تريد، في جسد لا يستطيع».
ويواصل: «كنت قد تأهبت في الربيع للسفر الى باريس فمصر فلبنان، ولكنني عدتُ فقيدت نفسي ببعض الأعمال التصويرية والأدبية التي تستلزم وجودي في هذه البلاد عامين أو ثمانية عشر شهراً على الأقل. ولولا هذه الأعمال والمعاهدات التي تربطني بها لكنت اليوم في القاهرة».
وكان يتحرق شوقاً لرؤيتها حتى في هيئة صورة فوتوغرافية: « اتذكرين - يا مي - قولك لي مرة أن صحافياً في بوينس ايرس، قد كتب إليك رسالة يطلب فيها ما يطلبه الصحافيون عادة: رسمي الكريم. لقد فكرت مرات في طلب هذا الصحافي، وكنت كل مرة أقول في ذاتي، لست بصحافي. ولو كنت صاحب مجلة أو محرر جريدة، لطلبت رسمها بحرية وبساطة ومن دون خجل، ومن دون وجل، ومن دون توطئة مركبة من ألفاظ مرتعشة. لا، لست بصحافي، فماذا عساي أن أفعل؟».
ومع هذه الرسالة، بعث اليها برسم بريشته، مع تعليق موجز وبليغ باللغة الإنجليزية: «اذكريني كلما كتبت».
وفي هذه الأثناء أيضاً كانت صحته تدخل في مراحل متعثرة من الاعتلال. وكانت مي تعرف ان رفيقها خجول ويرسل القول تلميحاً، فانخرطت معه في حوارات مكتوبة عن المرأة، والحرية، والابداع، والتمرد، والأدب والفن. وفي هذه الحوارات كانت تقدم له قلبها:
«ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به. ولكني اعرف انك محبوبي، واني أخاف الحب. اني انتظر من الحب كثيراً، فأخاف ان لا يأتيني بكل ما انتظر. أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب.. كثير».
« كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا، وكيف أفرط فيه؟ لا أدري. الحمد لله أنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به، لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى». 
انا ضباب
و»جبران» يتجه الى «مي» مباشرة، ومثل أي عاشق مجنون، بل كما هم الأدباء العشاق أحرار في اختياراتهم إلا أمام الحب. يصرح لها: « تقولين لي: أنت فني وشاعر، ويجب عليك ان تكون مقتنعاً لأنك فني وشاعر، ولكن - يا مي - أنا لست بفني ولا بشاعر، قد صرفت أيامي مصوراً وكاتباً، أنا ضباب، يا مي».
هو يريدها هي، يريد مي فقط، من دون تصريح، بل تلميحاً: « لست في حاجة إلى الأطباء والأدوية، ولست في حاجة الى الراحة والسكون. أنا في حاجة موجعة الى من يأخذ مني ويخفف عني. أنا في حاجة الى فصادة معنوية، الى يد تتناول مما ازدحم في نفسي، الى ريح تسقط ثماري وأوراقي».
ثم يستمر ملمحاً: « أنا مديون بكل ما هو «أنا» الى المرأة منذ كنت طفلاً حتى الساعة. والمرأة تفتح النوافذ في بصري والأبواب في روحي. ولولا المرأة الأم، والمرأة الشقيقة، والمرأة الصديقة لبقيت هاجعاً مع هؤلاء النائمين الذين يشوشون سكينة العالم بغطيطهم».
كؤوس النرجس
وهو لم يفكر «في الانصراف عن الحياة الذي يسميه الناس موتاً» لأنه لم يقل كلمته بعد.
أما هذه الكلمة، فهي الكلمات التالية التي كتبها الى مي زيادة، قبيل وفاته سنة 1931:
« تعالي، لنشرب بقايا دموع المطر من كؤوس النرجس، ونملأ نفسينا بأغاني العصافير المسرورة، ونغتنم استنشاق عطر النسمات، تعالي لنجلس بقرب تلك الصخرة حيث يختبىء البنفسج، ونتبادل قبلات المحبة».
ثم رحل جبران الى «انصرافه» الأخير.
وهذا أيضاً كان بداية «انصراف» مي زيادة خلفه، حيث انتهت على سرير، في غرفة بكنيسة، وهي تئن: «أين أبي وأمي، بل أين جبران، رفيق روحي، ومبدد وحشتي؟».
جمعة اللامي