اقرأ في هذا العدد
 
 




نبضات
 
بين مدينة الصدر وسواها
بين مدينة الصدر وسواها
 
ويقولون؛   لماذا هذه المنطقة في بغداد وسخة وتلك نظيفة؟ لماذا سكنة هذه متخلفون كالوحوش وسكنة تلك متحضرون و"يردون الروح"؟يسألون بعقل عنصري نزّاع للتعميم وتسطيح الظواهر. ثم يضيفون وكأنهم يكتشفون علة اعوجاج الموز أن سكنة شرق القناة "سذجٌ" ويفتقرون للذكاء. يقولون ذلك رغم أن أهم مثقفي العراق طلعوا منهم وأعظم رياضيينا لعبوا في درابين المدينة الكبرى صغارا و"نجّموا" كبارا. بل يقولون ذلك رغم أن أكثفَ جسمٍ للحركات السياسية إنما تشكّل من جماهيرها لدرجة أن السلطات المتتالية واصلت، كلٌ بطريقتها، مراقبتهم وإحصاء أنفاسهم خشية أن يثوروا ويا ويل من تثور ضده شرق القناة. 
لا عليّ من هذا بل انتبهوا لخبث التسقيط والتعريض. يقارنون بين مدينة الفقراء والجادرية طورا، ثم بينها واليرموك تارة،مكررين السؤال بنَفَسٍ يزعم البراءة: لماذا هي "متخلفة" و"جاهلة"، تعتاش على الخرافة وينعدم فيها الذوق؟ هل الأمر منوط بمنحدر أهلها الجنوبي أم أنّ هناك أسبابا أخرى؟ هكذا والله، فأنت إذا أردت أن تبدو متمدنا متحضرا،فما عليك سوى أن تردد السؤال كفيلسوف حائر: ليش هيج أهل شرق القناة يا إلهي؟ شوكت يتطورون؟؟ 
إليك هذا الجواب إذن وعسى أن تتفهمه؛ فرق أهل مدينة الصدر عن سكنة الجادرية أن كل عشرين نفرا من الأولين يسكنون في "بويت" مساحة كل منها 144 مترا بينما كل خمسة أنفار من سكنة الجادرية يسكنون منزلا مساحته 600 متر. أن المنزل الكرّادي يحوي حديقة وكراجا تمرح فيهما الخيل، في حين لا تسمح درابين قطاع 22 بمرور سيارة إلا "بالشافعات". فإن سمحت فعلى الدربونة أن تدخل الإنذار بسبب كثرة الأطفال. علة الفرق بين مساكين مدينة الصدر وسواهم أن المجاري عندهم طافحة منذ بدء الخليقة، وعدد التلاميذ في الصف الأول (ب) في المدرسة الفلانية قد يتجاوز الـ70 مكرودا، ولهؤلاء المكاريد آباءُ يكسرون القلب ويشظونه أمام ناظري من يراهم ويتلمس، بروحه،سنام آلامهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الطالع إلى السماء. 
قبل أيام حدثَ أن ذهبت لمراجعة طبيب مختص بالكسور في منطقة الداخل فكان أن رأيت العجائب فيه؛ هذه عجوزٌ مكسورة اليدِ تبكي من ظلم دهرها الخؤون، وهذا شابٌ أسمر حائر في وضعه بعد انزلاق أحدى فقرات ظهره. سألته ـ هل حملت شيئا ثقيلا؟ فقال بلهجة منكسرة: يا خويه هو شغلي كله بالثقيل؟ ثم استدرك مستغربا: الدكتور يقول لي أن أتوقف عن العمل لمدة شهر؟ جا منين آكل؟ 
ما علاقة هذا بالتخلف وانعدام الذوق؟ سيقول كارههم وسأجيبه: علاقته هو أن ما تظنه تخلفا ليس سوى نتيجة إهمال طويل.ألسنا نقول أن الفقر "يخردل" صاحبه يا هذا؟ فلماذا تترك الحصان وتمسك بالبردعة؟
سأقول له أيضا: ألا فاذهب بهذا الشاب الأسمر المكسور الظهر إلى أوربا،ثم وفّر له متطلبات العيش الكريم وانتظره سنيناً قلائل وسترى أيَّ ذوق وجمال سيكون عليهما. وقبل أن تفعل ذلك، فرّق السبعين مكرودا الذين يتزاحمون في الصف الكسيف على ثلاثة صفوف كالتي موجودة في مدرسة كذا في اليرموك ثم انظر لهم بعد حين. 
الفقر والإهمال عدو الإنسان الأول ولو سلطتهما على سكنة حي (بروكلين) لرأيت فعلهما فيهم. بل ما رأيك أن نأتي بخمس عوائل من المنصور ونضعها جميعا في بيت أبو خضير بقطاع 41 ونقول لأفرادها العشرين ـ شو بلله شوفونه شطارتكم!
أهل مدينة الصدر لا يختلفون عن أي أناسٍ يا صاحبي فدعك من مقارناتك الخبيثة وتفهم ما قلته لك رحم الله والديك ووالد والديك.   
محمد غازي الاخرس