اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
بوشكين.. نهاية عاشق شرقي
بوشكين.. نهاية عاشق شرقي
 
هذا كلام أردت به تسرية وفائدة لأفراد الأسرة أجمعين..
 يجد فيه الأب بعض ما فاته وكثيراً مما ألفهُ. وترتاح إليه ربة البيت بعد عناء يوم عمل، أو وصبٍ من كثير من أشغال المنزل.
وينتفع به الشباب، إناثاً وذكوراً، لأن الحب الشبابُ. ولا أسعد من هذه العاطفة الانسانية لهؤلاء الذين يدخل الحب قلوبهم من دون استئذان، فيحفظونه في تهطال دموعهم، وتهدج أصواتهم، وارتجاف أطرافهم، وشحوب شفاههم.
مجنون زينب
أما حان –أخيراً- لأقدم أوجاعنا
أن تثمر؟
ألم يحن الوقت أن نتحرر
بواسطة الحب مع العاشق
ونصمت مرتجفين: كالسهم الذي ينشدّ
على الوتر لكي ما،
مستجمعاً ذاته، بقفزة
يتخطى ذاته..؟!
"راينر ماريا ريلكه"
كأن الساعة قد إقتربت من الخامسة  والدقيقة الأربعين بعد الساعة الثانية من ظهر يوم 29كانون الثاني سنة1837 عندما صعد الدم إلى حلقه.
وأحس شاعر روسيا العظيم، بوشكين، بالاختناق، وأن دنيا بأكملها بدأت تنطبق عليه من الجوانب كافة، بحيث لم يعد يبصر إلا شبح زوجته: ناتالي.
كان ممدداً على سريره، ويكاد يرى الكون مربعاً، عبر زجاج النافذة، في ذلك اليوم الشتوي.
كل شيء أبيض: الطبيعة، الناس، السماء، وروحه أيضا. أمسك بوشكين بروحه البيضاء، المتمردة، الصبور، الشاعرة، المنذورة للحب، والمعمدة باختيار البطولة والكرامة، وأخذ يستقبل طائر الموت.
مرت في خاطره مقولة "هيرزن": ألا اعلموا الآن، أيها الملوك، إن شيئا لن يستطيع حمايتكم بعد اليوم، لا العقوبات، ولا المكافآت، ولا مذابح الهياكل، ولا السجون" وابتسم في سره، ثم تذكر رفاقه، "الديسمبريين" الذين ذهبوا إلى منصات الإعدام واحداً فواحداً.
 
برنامج للحرية
في 14 تشرين الثاني 1825 حدثت "انتفاضة الديسمبريين" التي لعب فيها المثقفون والأدباء والفنانون دوراً بارزاً. تجمع حوالي ثلاثة آلاف جندي وبحار في ساحة "مجلس السنات" بمدينة بطرسبورغ، لكي يمنعوا كبار رجال البيروقراطية القيصرية، من أداء يمين الولاء للقيصر نيقولا الأول. لكن قوة القمع كانت أقوى من الكلمة وعواطف الجنود.
ذهلت روسيا لبيان الديسمبريين: "إلغاء الحكم السابق، حرية النشر، إلغاء الرقابة، حرية ممارسة الأديان كافة، إلغاء حق الملكية فيما يخص البشر، مساواة الناس كافة أمام القانون، وعلنية المحاكمات... الخ".
كان بوشكين قريباً من هذا البرنامج سياسياً، لكنه كان من الناحية الابداعية، الأكثر تعبيراً عن أخلاق الإنسان المرتبط بالتغيير والانقلاب. ومن شأن هذا الاختيار أن يجعله عاشقاً دائماً للعدالة والحرية والجمال.
من أجل هذا غضب عليه القيصر، ونفاه إلى أكثر من مكان في بلده روسيا، التي ولد فيها لأب نبيل وأم تنتمي إلى الحبشة (أو الى المغرب في رواية اخرى)، وتلك سمرته تفضحه في منعرج محتده. لكنه كان لا يأبه بها، فهو قد عقد ميثاقاً مع الحب الذي يعلو على الصغار والصغائر، وينتقل بالبشر إلى ذروة بعد ذروة.
ففي 14 أيلول سنة 1826 استدعاه القيصر نيقولا الثاني إلى موسكو، بعد منفاه الطويل، لكنه لم يثق به مطلقاً، بل وضعه تحت رقابة صارمة، من ناحية حركته اليومية، أو من طرف نشاطه الفكري والابداعي.
وبعد ذلك بأربع سنوات، في ربيع سنة 1830 تعرف بوشكين أكثر فأكثر إلى "ناتالي" وعائلتها، التي توصف بأنها " أجمل إمرأة روسية"، فطلب الزواج بها، فوافق أهلها. وكان عليه أن يأخذ موافقة القيصر على هذا الزواج.
 
محظية القيصر 
كانت ناتالي جميلة ومتعلمة ، كما اشرت، بل "إنها فاتنة" حسب تعبير القيصر، فقبل بهذا الزواج، شريطة أن يبقى بوشكين في موسكو، وأن تتردد زوجته على البلاط القيصري ساعة تشاء. وكان هذا مقتل بوشكين، فلقد كان يعرف أن القيصر يريد أن يتخذ من زوجته، ناتالي، محظية له. وكان بوشكين محباً لزوجته الجميلة التي كانت تشاركه اهتماماته الثقافية والأخلاقية، وتقوم على تربية أبنائه، وتحاول أن تسعده، حسب حدود إمكاناتها، لذلك صعق عندما أهانه أحدهم في شرفها، وبأنها على علاقة محرمة بالقيصر الروسي.
 
مبارزة بالرصاص
عرف أعداؤه مكمن حساسيته الشخصية، فأرادوا إنهاءه بالتعريض بشرف زوجته، ووجدوا ذلك في شخص رجل روسي اسمه: "دانتس" الذي أساء إلى شرف زوجته، فطلب بوشكين مبارزته تراميا بالرصاص، مع أنه يعرف مسبقا أن هذا النوع من المبارزة، محرم بأمر القيصر ذاته.
لكنهم غضوا البصر عن ذلك، وقال صوت منهم: دعوهما يتبارزان، فإن قتل بوشكين دانتس، قدمناه إلى السجن. وإن قتله دانتس تخلصنا من هذا الشاعر المشاغب الذي أخذت روسيا تلهج بسيرته، وطفق المتنورون يرون فيه روح روسيا الجديدة.
وحين بزغ فجر يوم 27 كانون الثاني، كانت موسكو غارقة في الثلج والطين، والريح عاصفة، والناس نيام داخل بيوتهم، كأنما هم بانتظار قارعة، لكن بوشكين ارتدى أجمل ثيابه، وتعطر، وطلب شاهده، وسار إلى ميدان المبارزة.
وصل بوشكين ودانتس إلى المكان المحدد في الموعد ذاته، وأعاد عليهما شاهداهما أن بإمكانهما تجنب المبارزة لكن بوشكين أصر على ما عزم عليه، فأسقط في يد دانتس، ثم أخذ المتبارزان ينفذان المواصفات الفنية المطلوبة في مثل هذا العمل.
الآن، بدأت لحظة المكاشفة: لقد أحب بوشكين زوجته ناتالي حباً جارفاً، وهو لا يسمح أبداً لأي كان أن يمس شرفها، لأن هذا يعني شرفه الشخصي الذي عليه أن يحميه ويدافع عنه، حتى ولو بجعل دمه نهيرا في أحد شوارع موسكو.
تقدم بوشكين نحو الحاجز الذي يفصل بينهما وسدد مسدسه نحو دانتس، لكن هذا الأخير لم ينتظر حتى يصل إلى الحاجز، بل أطلق الرصاص على بوشكين من حيث كانت خطواته لم توصله بعد إلى الحاجز.
واستقرت الرصاصة في فخذ بوشكين. وأراد دانتس الانسحاب، لكن بوشكين أصر أن يطلق عليه الرصاص وهو ملقى على الأرض، فأسرعت طلقة من مسدس دانتس إلى صدر بوشكين.
والحقيقة أن بوشكين بعدما سقط على الأرض، فقد القدرة تماماً على المبارزة، لكنه أراد أن يكمل ما بدأ من عمل، لئلا يقال إنه ربح حياته وخسر شرفه.
بعد يومين من الآلام المبرحة، والعيش وسط خيالات واختلاجات الموت، أسلم بوشكين الروح، وحيدا، بينما كانت إحدى قصائده لم تكتمل بعد، الا وهي حياته غير المنتهية في شعره، وفي النهاية المحتومة لعاشق شرقي.
 
مصرع خاص
 
تطلين عليَّ، مثل سحر القُبلة الأولى
فأكمل وضوئي،
وأحمل أوراد حبك،
وأمضي.
زينب، يا كلمةً لم تُنطق بعد،
ورسالة مستريحة في صندوق
ومسبحة تنتظر أصابع مؤمن
وهمسة، 
ونسمة،
 ودرباً، 
ومصلى،
 وأرضاً طهوراً
............... وحبي اليتيم،
(المجنون)
جمعة اللامي