اقرأ في هذا العدد
 
 




نبضات
 
مستشفى المكاريد
مستشفى المكاريد
 
هي ذي المستشفى العجيبة تقف أمامي، ((مستشفى الجوادر)) التي لو خُيّرت في تسميتها لأطلقت عليها مستشفى المكاريد. هي ذي قبالتي بكل غضونها الحادة، بملامح روادها وموظفيها، زوارها ومرضاها، كجارتنا العجوز التي كُسر حوضها وجيء بها لتئن ليلا ونهارا. كانت عجوزا سيئة الطالع تتوجع طوال الوقت دون أن يقدموا لها سوى المسكنات. فهي تجاوزت السبعين ولا يفيد مع عظمها الواهي أي تجبير أو علاج. ـ أنت وربك يا حجية؛ هكذا قيل لها فراحت تئن يائسة يحيط بها أهل وبنون حائرون في تصبيرها.
هي مستشفى المكاريد بامتياز. بطبائع أناسها وبظروفهم الاقتصادية. بطيبتهم وميلهم للتشارك الجماعي في تحمّل الآلام والتصبّر على سوء الحظ. هم هكذا بالضبط، لا تكاد المسكنة تفارق وجوههم، بل هي تتبدى في مشيتهم وجلستهم وانكسار أصواتهم. أناس مساكين رائعون، كرماء في مشاعرهم، ميّالون لمساعدة الآخرين. وهم أيضا يتوفرون على يقينٍ شبه ثابت أنَّ المستشفى تلك تنتصب لتذكّرهم بمآسيهم ووهن أجسادهم التي تحملت شتى المصاعب. لقد راقبتهم لأربعة أيامٍ فاكتشفت أنّهم بقدر ما يحبّون مستشفاهم، في الظاهر، بقدر ما يتطيرون منها في الباطن، وذلك لارتباطها بأمراضٍ عاشرتهم الدهر كله.
ذات نهار، تجسّدت هذه الفكرة أمامي عبر شخص يرتدي دشداشة زرقاء ويسير بانكسار. مرّ قريبا منّا وإذا به يردد مع نفسه - بس كون الله يخلصنه من مستشفى الجوادر. واذ انتبهنا له اعاد العبارة وكأنه يؤكدها. تمعنت فيه جيدا، وتمنيت حقا أن أقرأ تلك الأفكار التي كانت تضطرم في نفسه والمصائب التي لاحت له من ماضيه وحاضره. لعله تذكّر عزيزا توفى هنا أو آخر قاسى من آلامه على ذلك السرير.
حينها، خيّلت لي المستشفى وكأنها شاهد على آلام الناس منذ تأسيسها في السبعينات. بل تصوّرت، في لحظة، حشودا من الموتى يخرجون من بواباتها لتلتقيهم، في الطريق، حشود من مرضى جدد يشبهونهم في كل شيء. خيالي الأسود هذا لم يأت من فراغ، فقبل سماعي عبارة الرجل بساعة، كان طالعني مشهد محزن؛ كنت خرجت لأدخن في شرفة تطلّ على قسم للأمراض المعدية أو ما شابه. وبمجرد جرّي لأول نفس، تناهى لسمعي صراخ قريب. التفت وإذا بأكثر من عشرِ نسوة يهرعن نادبات لاطمات لمكان ما في العمق. امتد بصري للقسم فإذا بشبان منهارين يخرجون ومعهم رجال يحاولون تهدئتهم. كان المشهد مفجعا وتصاعديا وقد امتد لدقائق مليئة بالانفعالات المجنونة.
مثل تلك المشاهد معتادة في أيِّ مستشفى، لكن الأمر في (الجوادر) مختلف، بل هو مختلف حتى لتبدو المشاهد فيه كالكوابيس؛ بكاء وعويل، لطم وثغيب، وتحلّق نسوي أحيانا حول سدية تحمل ميتا ما. العباءات تواري وجوها باكية والميت في سديته مغطى ببطانية منتظرا إكمال أوراقه، شهادة وفاته التي ستكون الشهادة الأخيرة التي يتسلمها من هذه الدنيا. مطالعة مثل هذه المشاهد أشبه بـ(شلعان) قلب وتحطيم مؤقت له إذ هو ينهدُّ، ولو جُبل من صخر، حزنا على أولئك المفجوعين الطيبين، أولئك الذين يشبهون جارتنا كسيرة الحوض أو المتحدث مع نفسه بنفاد صبر ـ بس كون الله يخلصنا من مستشفى الجوادر!
كلا يا صاحبي، هذه المستشفى ليست لعنة بل محطة أمل. هي جزءٌ من بانوراما المدينة ولسوف تضطر لزيارتها بين حين وآخر كي تعانق أخا أنقذه أطباؤها أو تواسي صديقا عجزوا عن علاجه. أنها منتهى آلام ومحط آمال وأحلام، قدمت ما تقدر عليه وسوف تظل تقاوم المرض والخوف. فشكرا لها من الأعماق لأنها لخّصت لي المدينة وقدمتها على طبق من دموع.
محمد غازي الاخرس