اقرأ في هذا العدد
 
 




بصر وبصيرة
 
ترشيد من لا يقبل بالرشاد!ـ
ترشيد من لا يقبل بالرشاد!ـ
 
في مسيرة حياتنا.. مررنا بأوقات عصيبة، حروب وحصارات وفقر وبطالة ومرض.. وهذه الاحوال، إقتضت منا ان تحتسب حياتنا على شد البطون وعدم البطر على بقايا خبز جاف أو تمرة ساقطة من نخلة ذاقت لهيب الحروب والظمأ.
ومع أننا خير أمة انتجت الخيرات، وخير أمة اختزنت الحضارات.. الا أننا بقينا أمة ليس بوسعها إنتاج سلتها الغذائية بنفسها!
ولأن الامم الناجحة والسعيدة والمطمئنة على حاضرها ومستقبلها، أمم تعمل وتفكر.. فأنها أمم تنتج، ومن ينتج إنساناً راشداً، يعقل جيداً حاجاته الأساسية، من دون إنتظار أحد ليقدمها إليه لقمة سائغة، جاهزة للتناول باسترخاء.. هي الامم المتقدمة التي يسودها السلام والاستقرار.
الامم المتفوقة، والشعوب العظيمة؛ تكون دائما يقظة.. يعرف كل فرد فيها حقوقه وواجباته، وماهو ملك له، وماهو ملك وحق للآخر الذي يقاسمه هذا الوطن..
غير أننا دائما.. إعتدنا أن نأخذ من الآخر، من دون ان نعطيه ذرة نخالة، ولا نصغي إلا لما لنا فيه نفع.. كما لو أن الواحد يحمل أذن جمل ليس بوسعها إلا سماع صفير الصحراء!
هذا الواقع المرير الذي اعتدناه في حياتنا اليومية؛ ليس من السهولة تجاوزه والانصراف نحو شأن آخر.. ندعو إليه باخلاص عميق وتوجه سليم.. وما النداءات التي تدعو الى ترشيد الاستهلاك، إلا حقيقة يفترض أن تكون قائمة وموجودة ومعمول بها أصلاً.. ذلك ان الترشيد ليس شحة ولا بخلاً ولا تقتيراً كما يحسب الكثيرون..
إن الترشيد نظام حياة وعمل ودراية ونباهة.. وهو على الضد تماماً من ذلك الهدر المطلق الذي جملناه عن غفلة وجهل على أنه (كرم) و (بذخ) عربي قصدناه وسرنا عليه.. إستثناء من كل الخصال الحميدة التي نعرفها عن أجدادنا.. ورأينا في (حاتم الطائي) إنموذجنا العربي السخي الذي ينام جوعاً ليطعم ضيوفه..
نعم.. الأثرة مطلوبة، وإغاثة الجائع من الخصال الأنسانية المحمودة.. لكن مقابل ذلك.. هناك حق لأنفسنا علينا، وعدل بيننا وبين من نغشهم في أزماتهم وشؤون دنياهم.
من هذا المنطلق، يمكن أن ندرك بأن إطفاء شمعة في دائرة حال المغادرة، لايختلف عن الضرورة التي يتطلبها الأمر ونحن نغادر بيوتنا..
هذا ترشيد منظم، وسلوك قويم يمكن أن يمتد الى كل الأمور من دون استثناء، ولو تيسرت لنا القدرة على جمع ما هدرناه من أشياء صغيرة، لأصبح بوسعنا الاستغناء عن أشياء كبيرة جاء حصادها من النظام الدقيق الذي إتبعنا خطواته بحس مسؤول.
وهذا الأمر لايمكن أن يلقى صداه ومن ثم نحصد نتائجه المرتقبة؛ مالم يكن هناك من يصغي للأرشاد، ومن يرشد نفسه أولاً، ومن يرى أن الرشد والرشاد والترشيد.. كلها مفردات سديدة تؤتي أكلها، إذا ما إستخدمنا حواسنا وعقولنا بشكل مفتوح على إستقبال حسن وثقة متبادلة وادراك عميق للأشياء والظروف الساخنة المحيطة بكل واحد منا. 
حسب الله يحيى