اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
أرنداتي روي كارزما المرأة الهندية
أرنداتي روي كارزما المرأة الهندية
 
أواخر التسعينات، في بغداد، كنت أشاهد على الدوام رواية “إله الأشياء الصغيرة". وفي أماكن مختلفة تقريبا. بين الكتب في رفوف المكتبات، بين أيدي قراء، في بسطات سوق السراي. لكن لم يخطر في بالي أبدا أن أقرأها. بل ولا أعرف حتى ما محتواها. أما أسم الكاتبة، (أرونداتي روي)، فهو اسم لامع ضمن لائحة طويلة من الكتاب الهنود الذين أطلوا علينا أعوام الثمانينات كجزء من ثقافة عالمثالثية، تعنى بالاهتمام بالآداب غير الأوربية. 
هي سياسة في الغالب، ذات بعد قومي، مؤسسة على معاداة الغرب والحداثة الغربية، إلا إنها لم تنجح في زعزعة مكانة الأدب الأوربي لدى جيلي على الأقل، ولدي أنا شخصيا، فقد كان اهتمامي منصبا على الأدب الأوربي، ولا سيما الأدبين الفرنسي والإنكليزي، وبدرجة ما الأدب الألماني، وبدرجة قليلة جداً الأدب الإيطالي والاسباني.
لكن بعد أعوام قليلة، ومع اكتشافنا لتيارات جديدة في النقد، مثل منهج الدراسات الثقافية، ومناهج الدراسات المابعدية، مثل ما بعد البنيوية، وما بعد الكولنيالية، وما بعد الحداثة، صار من الضروري الانتباه إلى الآداب غير الأوربية، وربما عزز من هذه النزعة، الدراسات التي نشرها الناقد الماركسي الأميركي فريدريك جيمسون عن الثقافات العالمثالثية أواخر التسعينات، وقد عد الآداب فيها، ولا سيما الرواية، جزءاً لا يتجزأ من المراجعة القصوى للحداثة الغربية، أو أنها تصب في النهاية، في تيارات ما بعد الحداثة، وهو اعتراف، أو إسهام في تقويم الحداثة الغربية ومراجعتها من قبل الثقافات اللاغربية. 
 
جائزة البوكر
عند ذاك ومن بين روايات عديدة لفتت انتباهي رواية إله الأشياء الصغيرة لأرونداتي روي، التي حصلت في العام 1998 على جائزة البوكر، وكانت بالنسبة لي هي المدخل الذي أدخلني إلى منهج الدراسات ما بعد الكولنيالية في الرواية، فكانت تتصدر بحق، على الأقل ذلك الوقت، أكثر الدراسات التي تنحو هذا النحو، وكان من الضروري أيضا الدخول إلى عالم الهند من زاوية مختلفة كليا عن زاوية سلمان رشدي.
وقد بهرتني الرواية، في واقع الأمر لاهتمامها المتطرف بالتفاصيل الصغيرة، ف"صوفي مول" الفتاة الصغيرة ذات الثمانية أعوام التي تدخل دخولا مفاجئا إلى قرية (ايمنم) مسقط رأس والدها بولاية كيرالا الهندية المعروفة قبل سنة 1950 بولاية ملبار، تقدم إلى القارئ صورة فسيفسائية عن تحولات المجتمع الهندي عبر أدق الأشياء وأصغرها، وهكذا تلتحم الطبيعة، من نباتات صغيرة، وحيوانات صغيرة مع حياة الناس ومنتجاتهم وأحداث حياتهم. كما أن تاريخ الهند يتداخل بشكل عجائبي من أحداث تاريخية قديمة، إلى صور متلاحقة من التاريخ القريب، سيطرة الماركسيين، الاحتلال البريطاني للهند، وصول فاسكو دي جاما، انتشار المسيحية، انهيار الطبقات الاجتماعية، فتروي الأحداث من دون تعاقب كرونولوجي، إنما على شكل تداعيات له علاقة وثيقة بما عاشته الهند أواخر التسعينات. 
 
خيمة برلين
عام 2009 كنت قد دعيت إلى مهرجان الأدب العالمي في برلين، وهو مهرجان كبير ضم نخبة مهمة من أدباء العالم، وكانت أرنداتي روي مدعوة أيضا. رأيتها للمرة الأولى في خيمة المهرجان، وهي امرأة جميلة جدا، قد حلقت شعرها بصورة غريبة، وكانت ترتدي زيا حديثا ولكنه يستند إلى التراث التقليدي في الهند. وللمرة الأولى أشاهد هذه الكاريزما لكاتبة من العالم الثالث، فقد تحلق حولها أكثر الكتاب الأوربيين شهرة، حتى غونتر غراس الكاتب الألماني الشهير، حين رآها وضع كأسه على الطاولة وخف لتحيتها. 
ذلك اليوم كانت لي رغبة شديدة بالحديث معها، ولكن لم يكن ممكنا وسط هذا الحشد الذي يتحلق حولها، وكنت تعرفت صدفة على مديرة أعمالها، في مناسبة منفصلة، وطلبت مني حضور ندوتها، ولكني تخلفت لأن ندوتي كانت في الوقت ذاته، ولم أكن أعرف ذلك الوقت موضوعها، تصورته عن الهند أو عن الأدب الهندي المكتوب بالإنكليزية. 
 
ندوة تعويضية
بعد يومين، طلب مني مدير المهرجان المشاركة في ندوة تحت عنوان "صراع الشرق والغرب، علاقات أدبية وسياسية"، وفي الواقع لم تكن هذه ندوتي، إنما من أجل تعويض الكاتبة السعودية المقيمة في بريطانيا رجاء عالم، التي اعتذرت عن الحضور في اللحظة الأخيرة، ولم يكن ممكنا أن تقام الندوة عن الشرق من دون حضور كاتب عربي، فوقع الاختيار علي، وبالفعل وافقت على المشاركة وهيأت موضوعي قبل ساعتين من صعود المنصة، والمفاجئة كانت أرانداتي روي من المشاركين أيضا. 
 
العراق في مظروفها
كان النقاش ممتعا بحضورها، والندوة كانت ناجحة جدا، وحين عدت إلى الفندق ليلا وجدت على طاولتي مظروفا كبيرا، إذ أرسلت لي أرانداتي روي، محاضرتها السابقة، التي لم أحضرها، وفوجئت فعلا إذ كانت محاضرتها السابقة عن العراق، فأرانداتي روي كانت ملتزمة بخط الدفاع ليس عن الأشياء الصغيرة  في الطبيعة فقط إنما عن كل الأشياء الصغيرة في التاريخ أيضا، فهي ملتزمة بخط الدفاع عن الأمم الصغيرة، عن البشر الضعاف، عن النساء، عن المرضى، عن الأقليات الصغيرة، وقد دافعت دفاعا مستميتا ضد التعلق الهوبزووي للقوة في الغرب، فقد وقفت كناشطة مع مطالب التاميل، وأيدت انفصال كشمير، ودافعت عن العراق، وطالبت بتحرير السود، والعمال والمهاجرين. وكل الكائنات التي لا تقوى على الدفاع عن نفسها. 
 
معمارية وممثلة
بعدها تعرفت عليها عن قرب، فاسمها الحقيقي سوزانا، أو هكذا يدعونها المقربون منها، من مواليد عام 1961، ولدت بشيلونج، في الهند، من أم مسيحية سورية، وهي ماري روي الناشطة في مجال حقوق المرأة، وأب بنغالي، من عائلة ثرية تمتهن زراعة الشاي. قضت طفولتها في ولاية كيرالا، حيث تدور أحداث روايتها "إله الأشياء الصغيرة". درست الهندسة المعمارية في كلية التخطيط والهندسة المعمارية في نيو دلهي، حيث التقت زوجها الأول، المهندس جيرار داكونها. ثم تطلقت منه وتزوجت المخرج السينمائي براديب كريشن، ولعبت دور الفتاة القروية في فيلمه صاحب ماسي. كتبت بعد ذلك العديد من الكتب السياسية وسيناريوهات الأفلام. وتعد اليوم من أبرز كتاب العالم الثالث في الغرب.
 
علي بدر