اقرأ في هذا العدد
 
 




بصر وبصيرة
 
صرايف" الزعيم"
صرايف
 
ما كان مشهد بيوت القصب التي كانت تمر أمام بصري عند دخول بغداد قادماً من الموصل.. مشهداً عادياً.
كنت اقارن بين بيت سقفه من حجر وجص ولا تقوى كل الأمطار على تمرير قطرة الى داخله شتاءً او شمس لاهبة صيفاً على الرغم من مرور اعوام طويلة على بنائه.. وبيوت من قش وقصب.
كان السؤال يخجلني وانا الصبي ثم الشاب.. وظل ذات السؤال يحيرني، حتى لأحس أنني من عائلة بطرة، والناس الذين يعيشون تحت سقوف القش والطين والقصب كائنات قدت من الفقر صيفاً وشتاءً.. وليس بوسعها ان تحمي نفسها من مطر مدرار وصيف لاهب.
احتبس السؤال في صدري.. ثم تقدمني نحو بصيرة إريد ان اعرفها.. وتجرأت وسألت شيخوخة أبي: لماذا يعيش الناس هنا في بيوت من طين وقصب، فيما نعيش نحن في بيوت من حجر وجص؟
إبتسم أبي، كأنما كان سؤالي قد جعله يحس بارتياح.. قال:
- كنت اريد ان تسألني عن هذا الفرق.. حتى تتبين ان المساواة ضرورة لابد ان نعمل من أجل نشرها في حياة الناس.
وفي التفاصيل حدثني عن (سكان الصرايف) القادمين من الريف بسبب جور الأقطاع واستغلاله للفلاحين.. وبالكاد بنوا بأنفسهم ما ترى..
ولاحقاً صار يحدثني بتفاصيل أغنى واعمق واكثر دلالة.. وحين اختفت تلك (الصرايف) عن نظري في زيارات لاحقة لبغداد.. سألت أبي عنها.. فأجاب:
- ذاك مافعله الزعيم عبد الكريم قاسم، عندما بدأ ببناء مدينة اطلق عليها اسم (الثورة) ومدينة أخرى اسمها (الشعلة) ليسكن فيها فقراء الناس (سكان الصرايف) وسواهم من المعدمين..
وعندما سألته: وماذا فعل الاقطاعيون عندما تحولت الكثرة من الفلاحين الى سكان العاصمة؟
قال: بادر الزعيم الى شل حركة الاقطاع واصدر قانون الاصلاح الزراعي وصار على وفق هذا القانون الذي وزع الاراضي على الفلاحين بمقدور الفلاح زراعة أرض يملكها ويجني ثمارها.. فيما ترك مساحة محدودة للاقطاعيين.. لهم حق استثمارها.
وعندما كبرت صرت ادرك جيداً ان ذاك الزعيم الذي نشأ من عائلة فقيرة لم ينس جذره الاجتماعي الفقير، ولم تكن تلك النياشين العسكرية التي يحملها ولا الموقع الاول الذي شغله لقيادة البلاد.. يجعله ينصرف لنفسه وذويه والمحيطين به والمباركين لوجوده – صدقاً او نفاقاً – وإنما ظل أميناً للوطن الذي ينتمي اليه وللناس الذين احس بمعاناتهم وبات يعمل من خلال موقعه على تحسين ظروفهم ونقلهم من حال القهر والظلم والظلام.. الى بشر من حقهم ان يكون الوطن ملكاً لهم وليس لفئة معينة تستغلهم..
وعندما نتأمل ببصيرة منصفة ما أنجزه الزعيم.. ندرك جيداً ان البلاد لايصلحها الا هكذا نماذج وطنية اصيلة، تضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.. عندئذ ستظل شمس العراق بهية ونقية متألقة.
 
حسب الله يحيى