اقرأ في هذا العدد
 
 




نبضات
 
موبايل أو صندوق الدنيا
موبايل أو صندوق الدنيا
 
أنها البشرى؛ أخيرا صار لدي موبايل حديث. جهاز ليس للاتصال فقط، بل هو أشبه بـ"ست البيت" من فرط تعدد مواهبه. تراه يتصل ويصوّر، يسجّل الصوت وتسمع فيه الأغاني. بل عن طريقه تستطيع فتح صفحتك في الفيسبوك والتويتر والدخول إلى "الياهو" لتقلب إيميلك وأنت منطرح على الكرويته. حدث الأمر فجأة؛ تأتي أم عيالي من الدوام وبيدها كارتونة أنيقة، ثم تقدمها لي وهي تقول -احزر! وبطريقة الطفل المدلل أقول- شنو؟ فتقول- آي فون فور. ثم تخرجه وتسلمه لي. أفرح وأقلّبه بفخر وثمة ابتسامة أحاول جاهدا ألا أبرزها أمام الأولاد فيقال أنني "ملطلط" أو ربما "ما شايف".
كانت الهدية قيمة لذا فكّرت فورا في الاستفادة منها. فانا عادةً أسجّل بعض المعلومات التي أسمعها من كبار السن بدفتر صغير على أمل العودة لها لاحقا، وكنت في بعض الأحيان أستخدم موبايلي القديم في التسجيل، لكنني كنت أجد صعوبة في سماع الأصوات. بوجود الجهاز المتطور، ذي الصوت الواضح، خطر لي أنه لن يفوتني شيء بعد الآن خصوصا أثناء المناسبات الاجتماعية التي أحضرها كالفواتح والأعراس. 
بعد يومين، حاول داعيكم تجربة تلفونه في جلسة ضمّتْ عددا من "الشيّاب" الرائعين. همست لأحدهم ـ كلي حجي.. صرايف الشاكرية كان بيها غرف لو قطعة وحده؟ فانفرجت أساريره وقال ـ أي، كانت هناك غرف، كل ولد متزوج له واحدة وهناك سياج وحوش والخ. وإذ سمع جار لنا حديثنا الهامس تدخل بصوته الملعلع وأورد معلومات أخرى. هنا قلت لنفسي ـ هذا هو فلأسجل. فسجلت وأنا جذل. ما لاحظته أن الجلسة كانت مملة قبل الحديث لكنها صارت مشوقة معه بحيث خُيّل لي أن لدى الجميع رغبة عارمة في تذكر حياتهم في "الشاكرية". 
في الأخير، توفر لي حديثٌ مدته 40 دقيقة حافل بالحكايا والذكريات، فهذا يتذكر شارع الكيّارة وذاك يستحضر بائع القماش المتجول. هذا يحنُّ لحلاقه القديم إذ يجلسه على "البيب" (شيء كالبرميل)، وذا ينصت لصرخات الناس وهم يتظاهرون ضد النائب عبد الكريم الأزري، وكان الأخير انتخب بفضل أصوات أبناء الصرائف. كانوا يهتفون آخذين الشاكرية عرضا وطولا ـ ملينه من جذب اليزري ..ملينه من خبز اليابس ..ملينه من ماي الخابط. 
ولئن أصبح الموبايل بالنسبة لواحد مثلي وسيلة توثيق لـ"سوالف الشيّاب"، فإنه بات بالنسبة لسواي أشبه ما يكون بصندوق دنيا شخصيٍّ، فهو يحوي كل أسرار صاحبه. ترى الشبّان يصوّرون "تحشيشاتهم" به والصبايا يوثقن أفراحهن عبره. هذا يتواصل مع حبيبته بـ"مسجاته" صوتا وصورة، وتلك تكتب في صفحتها الفيسبوكية ذات الاسم الرومانسي ما لا تقدر على البوح به في العلن. كلٌ ما يتعلق بحياتنا صار ملكا لهذا الجهاز العجيب حتى أنه هبط على جيوب الفقراء وكأنه رحمة من الباري. فبدلا من انتظار هؤلاء لمن يتصل بهم بعد "مسكول" متوسلٍ يبعثونه، يمكنهم الآن الاتصال مجانا عبر "الفايبر"، حيث يمكن للمرء جرش ما يشاء من كلام في رحى الزمن دون مقابل. 
على أن أطرف ما في الموبايل الحديث هو استخدامه كمرآة بالنسبة للصبايا والنساء؛ فجأة تخرج الصبية جهازها ثم تفتح الكاميرا وتعدّل من هيئتها، تمسح هذه النتشة من الوجنة أو "تطوّخ" تلك البقعة على الشفتين. هذا ما رأيته بنفسي أكثر من مرة وابتسمت في سري.
شخصيا، لن أستخدم موبايلي كمرآة أو بريد حبٍ أو لتوثيق رقصي مع أصدقائي. جلَّ ما هناك أنني سأعتبره دفتر ملاحظات أدون به ما أسمعه من الناس وهذا يكفيني، فأهلا به وسهلا. 
 
محمد غازي الاخرس