اقرأ في هذا العدد
 
 




نبضات
 
حكايتي مع الطويرجاوي
حكايتي مع الطويرجاوي
 
حدث الأمر قبل سنتين وتحديدا في اليوم الثامن من محرم، ها أنا ذا أتابع جلسة تعزية للسيد جاسم الطويرجاوي مخصصة عن العباس (ع) فأتأثر بها وجدانيا وثقافيا وأكتب عنها مقالة ذات طابع انثربولوجي. كنت معنيا بتفسير طريقة النعي وشكل الطقس وربطه بتراث بلاد الرافدين، مع ابراز لدور ذلك الناعي في إدامة هذا الشكل شديد الصلة بتراثنا الشعبي.في اليوم التالي خرجت المقالة في الجريدة وكان ذلك يعني أن تقوم دنياي ولا تقعد. فمحبو الرجل بالملايين وطريقة تأويلي لنعيه ربما راقت لهم. لذا، فوجئت عصرا بمدير فضائية عراقية وهو يتصل بي ليخبرني أنهم صنعوا من المقالة تقريرا وأن التقرير سيعرض قبل المحاضرة الجديدة في اليوم نفسه.
 
كان الخبر صادما ومدعاة للفرح. لا لتهافتي على (مجد) ما، بل لارتباط الموضوع بمحرم ومحبتي التي توصف لطقوسه. بعد ذلك بساعة، فوجئت برجل آخر يتصل ويقدم نفسه بوصفه مقربا من أحد الرواديد؛ صوت كيّس يعرب عن إعجابه بالمقالة ثم يترجاني أن أكتب عن رادوده، ملمحا بأن هدية مالية تنتظرني إن أنا فعلت ذلك. هنا تمعجت ملامحي واستشعرت أن إهانة توجّه لي. قلت له - رجاءً أخي، أنا لا أكتب طلبا للهدايا، الطويرجاوي أثار مشاعري فكتبت عنه من تلقاء نفسي. فتعلثم وحار في كيفية التهرب من الموضوع.
في تلك اللحظة، تعكر مزاجي وسرحت متأملا مدّاحي الطغاة، متعجبا من قدرتهم على سفح كرامتهم. قلت لنفسي: شنو هالمخازي هاي.. كيف يفعلون ذلك، يمدحون مقابل هدايا ويردحون في انتظار المقسوم ! أي والعباس تكدّرت نفسي وكرهت صوت الرجل (الكيّس) وتخيلته سمسارا يراود شخصا رخيصا.
غير أن ذلك الكدر تبخّر بعد سويعات ليتحول إلى صفاءٍ روحي. فقبل موعد تعزية الطويرجاوي بدقائق عُرض التقرير. كان ثمة مذيع يقرأ المقالة على خلفية نعي حزين وبطريقة محترفة ومثيرة للانفعال. نعم، تابعت التقرير بعينين دامعتين وقلب يرفرف من فرط التأثّر. العائلة أيضا كانت تتابع معي وعدد من شقيقاتي اللواتي اتصلت بهنَّ تلفونيا لأبشّرهنَّ- شوفن قناة كذا قبل محاضرة الطويرجاوي.. راح يطلعون تقرير عن مقالتي. 
لكن كل ذلك في كفة وما جرى في نهاية التعزية في كفّة، إذ قبل دعائه الأخير، تكلف الطويرجاوي في حديثه ليربطه بالمثقفين وموقفهم من الشعائر الحسينية فحدست أنه يمهد ربما لذكر المقالة وصاحبها (داعيكم). هرعت لوضع (الميروري) في جهاز الريسيفر لأسجّل ما سيقول. وفي اللحظة الأخيرة نجحت في التسجيل فإذا به يذكرني بطريقته الفطرية الودودة والطيبة ويدعو لي بالتوفيق والحفظ مبتدئا بالقول؛ هذا أكو واحد يسموه محمد غازي ..الأخرس، ضاغطا على (الأخرس) وكأنه يذكر اسم فارس من فرسان الطف. 
أي والله، حدث ذلك قبل سنتين. ولعلي سأكون سمجا لو حاولت وصف الانفعال الذي اعتراني حينها. كان خليطا غريبا من الفرح والفخر، من الرهبة والخوف، وكل ذلك مشوبٌ بارتباك طفوليٌّ تبدى في ابتسامة بلهاء تحكي حال من لا يصدق ورود اسمه على المنبر الحسيني في محرم. 
في الأيام التالية ضجّ سمعي بالعشرات وهم يخبرونني ـ ذاك اليوم ذكرك جاسم الطويرجاوي على المنبر. يقولون ذلك معتقدين أنني لا أدري ربما. وكنت أردُّ بخجل ـ أدري ..أدري. ثم أهوّن من الأمر ـ هيج ..كتبت مقالة عنه ويمكن عجبته وذكرني. 
أي والله، كانت جائزة، جائزة رائعة وتناسبني تماما، فأنا أعشق طقوس محرم، وذكر اسمي على منبرها لا يعادله شيءٌ. فكيف إذا كان ذلك الشيء مجرد (هدية مالية يعرضها رجل (كيّس).. ويا عجبي!
 
محمد غازي الاخرس