اقرأ في هذا العدد
 
 




بصر وبصيرة
 
تفكير ام تكفير؟ـ
تفكير ام تكفير؟ـ
 
سهل جدا أن نتهم الآخر.. بما نشاء من التهم.
التهم جاهزة، لكن الادلة والبراهين والحجج غائبة عنها.. وهو الامر الذي يجعلها باطلة وكيدية ومطلوب معاقبة ومحاسبة وادانة من أثارها..
كل قوانين العالم تقول بهذا.. وتحتكم اليه.
الا ان عدداً من الجناة والعصابيين والتدميريين؛ سهلوا على انفسهم إدانة الآخر والقصاص منه، واقصاءه من الحياة بأسم (التكفير) حتى باتت هذه المفردة سيئة الصيت ترد على لسان كل من نختلف معهم، وتاريخياً كما يقول الشاعر ادونيس (أدت ثقافة التكفير الى ثقافة الامتناع عن التفكير) وبات الاجتهاد والتأويل والدرس والتحليل.. غائباً عن حياتنا..
في حين يفترض بنا ان نعرف، وما نعرفه لابد ان يكون لنا موقف منه، ورأي فيه.. وعقل يصطفي عنده ويقتنع به ومن ثم يذود عنه ويعمد الى نشره بين الناس.
الا ان قناعات الكثيرين، تعتمد على العواطف والعلاقات والمصالح، ومثل هذه القناعات سريعة الزوال، ذائبة في أول قطرة ماء تلتقيها.. ذلك ان (تكفير) الآخر، منظور أحادي، ووعي مستلب، وارادة مجردة، لايراد منها الا الخلاص من الآخر، لأسباب تتعلق بالمال والجاه والموقع، مع ان هذه الامور تأتي بالصدق والنقاء والمحبة، لا بألغاء الآخر، والحاق الضرر به، والوصول به الى العدم.
الحياة لاتقوم على ان نخون الآخر وندينه من حيث يدري ولا يدري، ومن حيث ندري ونعلم ونصّر ونلّح ونعمد الى الحط من الآخر بسبل شتى وصولاً الى اهداف لا تلتقي عندها أرواح نظيفة ولا عقول تحتكم الى الحق والعدل والانصاف..
ان من يبدأ من الحقد، ينتهي الى كراهية نفسه وأهله، ومن ثم لايحصد من حياته في نهاية الامر الا طبع الندم والهزيمة والاحقاد التي تودي باصحابها الى التهلكة.
وما دمنا كائنات اجتماعية.. لكل منها مشاربها وطباعها وقناعاتها وافكارها ورؤاها، فأننا ملزمون بالتفاعل معها، من دون ان نملي عليها شروطنا وقناعاتنا الشخصية.. فالمجتمعات لاتحيا ولا تتقدم ولا تقوم لها قائمة ان هي ظلت، تجد في كل من يختلف معها عدواً،وفي كل من لا يصغي اليها به حاجة الى قصاص بسيف باتر.
هذا الطبع في النظر الى الآخرين، نظر اعمى، ومفهوم اجوف، وعقل معطل عن التفكير منصرف الى شأنه ولا شأن في العالمين سواه..
إنه كفر بالآخرين، كفر وبلاء ووحشية يحملها البعض ممن يدعون لأنفسهم الكمال كله، ولسواهم الاخطاء كلها والسلبيات كلها والآثام بمجموعها.
هذا النمط من الذين بات معلوماً أمرهم في محيط حياتنا، يحتاج الى مراجعات صادقة وصريحة وحميمية وموضوعية مع النفس.. وبعكسه يتطلب الأمر.. الكشف عن اماكن السوء حتى تستأصل لئلا تشيع العدوى الفادحة في النفوس الطيبة، ولئلا تتحول البلاد الى واقع مرير تسقط فيه مظاهر الامن والسلام والاستقرار، وتحولها الى مرتع خصب لذوي الحقد والكراهية والتكفير وسوء التدبير.
الحياة حديقة ايها السادة، وكل حديقة تزهو بالتنوع وهذا هو مصدر الجمال فيها.. ومثلما يشكل (الآخر ضرورة في وجودي) كما يقول كارل ياسبرز؛ يشكل الجميع حضوراً في حياتي، مثلما أشكل حضوراً طيباً في حياتهم.. ومن الطيب يصبح للحياة زهوها وبهاؤها وتطلعاتها الدائمة للشمس. 
 
حسب الله يحيى