اقرأ في هذا العدد
 
 




على مرمى حجر
 
مسلسلات.. مسلسلات
مسلسلات.. مسلسلات
 
لم يبلغ اي مسلسل درامي مهما تفننت اعتى استيديوهات هوليوود او القاهرة او دبي لما وصل اليه مسلسل العنف العراقي الواقعي. مسلسل اطرافه متنفذون طامعون شبقون تستحي من افعالهم حتى الوحوش الضاربة.
الجواحش- الدواعش احدث مسلسلاتنا وكأننا نسينا مجازر اعوام التسعينات وقبلها الثمانينات والسبعينات وعام 1963..
في طفولتي استيقظت يوما من غفوتي على كنبة صالة المنزل على شيء بارد مغروز بعنقي، فزعت رغم تهدئة جدتي لي محاولة تخفيف رعبي وربما جنوني، ولم يكن ذاك الشيء البارد سوى فوهة رشاش الحرس القومي اثناء مداهمة ليلية لبيتنا بحثا عن اخوتي وابن عمي..
وتواصل مسلسل العنف الدامي بالقاء القبض على اختي الكبرى وأبي والكثير من اهلي وأصدقائنا في الستينات، ولم تفارقني حتى اليوم مشاهد غرف التعذيب وأنا الصغيرة اثناء توسط والدي لمقابلة اختي الكبرى بموقف (الزوية بالكرادة) يوم لم يزد عمرها على 17 ربيعا، وأبي التاجر انذاك الذي "رش" اموالا طائلة فضلا عن صواني القيمر واكياس الصمون الحار يوميا فطورا لحراس مخفر التوقيف كي نحظى برؤيتها صباحا مذهولون بآثار التعذيب الليلي لها ورفيقاتها في ذلك المخفر...
قصص لن تنتهي، وكيف اثرت تلك الحادثة، ومن ثم توقيف ابي على مجرى حياتنا الدرامي،  وماتبعه من اصابة ابي بالسرطان جراء التوقيف ايضا ومغادرته الحياة  بعمر لم يزد على 45 عاما، وزواج اختي المبكر من ابن عمي قلقا وتوجسا من اثار السجن..
مسلسلات لم تنته وان كتبت بمداد الدم لما يتعرض له عراقنا من عنف يومي شعبت الكلاب من لحوم ابنائنا ايام الانتفاضة الشعبانية، ثم قصف عام 91 ومن ثم مجاعات الحصار وقصف 2003 وتواصل الحروب والنزاعات الطائفية في عامي 2006-2007 حتى وصلنا مؤخرا وليس آخرا لمسلسل الجواحش  -الدواعش.
لم اتابع اي مسلسل تلفزيوني رمضاني، اولا لطبيعة عملي في دبي حيث اغلب التغطيات الصحفية الرمضانية كانت تبدأ بعد العاشرة ليلا اي بعد صلاة التراويح لتمتد حتى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل يتبعها دوام صباحي في حوالي التاسعة والنصف، وثانيا لغصتي التي لم ولن تنتهي مع تواصل مسلسل العنف العراقي.
نصحني كثيرون بمتابعة مسلسل "قلم حمرة" السوري فجربت مشاهدته ايام العيد من خلال "اليوتيوب" فما كان مني إلا مواصلة الليل بالنهار حتى اتممت حلقاته الثلاثين، بلهفة ومتابعة شيقة تمنيت لو لم ينته لولا تواصله عمليا على ارض الواقع كونه يناقش افعال الدواعش  في كل من سوريا والعراق.
افكر كل لحظة بمسلسلنا العراقي الواقعي، كيف لأهلنا من اهالي الموصل ان يتصرفوا ممن لم يغادروا ديارهم، وهم يتلقون اوامر خارجة عن كل منطق وخيال من قبيل مثلا، ختان بناتهم أو جهاد النكاح، او حتى تجنيد شبابهم للجهاد معهم؟ كيف يناموا ليلهم بعد تهديم مقدسات ومرابع الذكريات والتقوى من  مساجد الانبياء؟ كيف يتذوقوا طعامهم وهم يشاهدون الرؤوس معلقة على الحبال مثل نشرات خزي تطلخ تاريخ المسلمين جميعا منذ جنكيز خان حتى اليوم..؟
كيف يعيش اهلنا المسيحيون الآن ممن لم يحصلوا على ملاجئ حتى في اربيل او كركوك؟ وكيف لأهلنا المهجرين من كركوك وتلعفر وبلد العيش في مخيمات بلا ماء ولا طعام بعدما سلبوا ممتلكاتهم وأموالهم ومواشيهم وكل شيء؟
كيف لأهلنا في الحلة والناصرية والبصرة من الذين لم يهجروا بعد لكنهم استقبلوا ما امكن من المهجرين، كيف لهم ان يهنأوا بطعام وشراب وجيرانهم من المهجرين بالخيم يعيشون حياة مزرية بظل درجات حرارة مرتفعة بقلق وفقدان أمان؟
اسئلة تذبحني يوميا بلا أجوبة... 
 
منى سعيد الطاهر