اقرأ في هذا العدد
 
 




على مرمى حجر
 
طشارنا والعرس
طشارنا والعرس
 
من نوائب الدهر ان الشتات العراقي لم يكتف بما تفرق من اهلنا وأصدقائنا وأبنائنا  على شتى بقاع الأرض، بل امعن بالأسى والدمار ليشمل اكثر من مليون مهاجر ولاجيء بوطننا ايضا.
منذ نهاية السبعينات يتعرض من خالف آراء الطاغية المقبور للإبعاد والتهميش ما اضطر الكثير للسفر مرة بسبب الانتماء العرقي وأخرى الطائفي وأخيرا الديني.
اي عار يلطخ وجه هؤلاء المجرمين؟ وهل تكفي اية مفردة لوصف بشاعتهم وانقضاضهم على بني البشر؟
وفي تلك الفترة ونحن بعز الشباب نشكو ضيق اليد في بلد النفط والخيرات، ونشكو الفراق ولم تمت يوما عبارة "طشش عويله اللي طششانة" عن شفاهنا..
ولمن لا يفهم هذه "الحسجة" فتعني التمني بتفريقه عن ولده لمن فرقنا عن اهلنا وأحبتنا.. فكيف اليوم وأخوتنا وأهلنا في الموصل يهجرون عنوة عن ديارهم وأهلهم معرضين لأبشع انواع الانتهاكات.
ياللخجل، كم اشعر وأنا على بعد بسياخ تبقر بطني بينما  اتابع بلهفة اسراب المهجرين.. استرجع كل لحظة عشتها بين جنبات الموصل رفقة الزميل حسن العاني والمصور عبد علي مناحي ونحن نرصد كل صغيرة وكبيرة في استطلاعات صحفية نشرت على مدى اسابيع، كم كنا مبهورين بنظافة ازقة المدينة وبنظافة قلوب اهلها واستقبالهم لنا بالترحاب والود والكرم.
اتساءل اليوم كيف حالهم؟ وأين أمسوا؟ هل رضخوا فعلا للطغاة الجدد، ام سيختفون ويتوارون حتى يتغير الوضع، ام شدوا الرحال وهجًّروا او هاجروا؟
اسئلة تلاحقني  وانا اقلب قنوات التلفزيون اتمعن بوجههم علي اعثر على بعض معارفي، وأتساءل في نفسي وان عثرت، ماذا سافعل؟ 
والله اشعر بالخجل  وأنا العاجزة عن بعد، وليس لي سوى الادانة والاستهجان والتعليق احيانا على اراء الفيس بوك. اتواصل بالهاتف مع اهلي وأسالهم عما وصلهم منهم، فيكون الرد انهم في الشوارع والجوامع والحسينيات بعدما خرجوا عراة إلا من كرامتهم وأعمارهم.
اتساءل وهل سأتصرف بدوري مثلهم لو تعرضت للموقف نفسه، ام ربما اطلق النار على نفسي أولا؟ وأستدرك صمدت سنوات بمواجهة الحكم الدكتاتوري والحروب والحصار ثم قفزت من اتون العراق بمصادفة غريبة  لو حدثت لآخرين لما توانوا عن السفر مثلي، فالأرض ملك البشر وبلاد الله الواسعة تلمني وتلم غيري متشبثة بما ذكر في الآية الكريمة "فاسعوا في مناكبها وكلوا من رزقها واليه النشور".
مازال العراقيون ينشورون او "يتطشرون" رغما عنهم مرة بسبب الارهاب والتكفيريين، ومرات بسبب الضغينة التي يحاول البعض بثها بين الاطياف، بل وكارثتنا الحالية هي الاقسى حين نهجر ونحن بوطننا بفرمان "الخليفة المزعوم" وليس لنا سوى ترديد "نفيت واستوطن الاغراب في وطني"..
(طبعا لا يفوتني هنا التذكير برواية الصحفية الروائية الرائعة انعام كجه جي  "طشاري" التي رشحت مؤخرا لنيل جائزة البوكر العربية، والتي تناولت تهجير المسيحيين من العراق ايضا). 
قبل اشهر وقبل تردي الوضع العراقي بصورته الحالية دعيت لحضور حفلة عرس عراقي ربما يشكل احد اغرب حالات اغترابنا وطشارنا على اركان الأرض، فوالدة العريس تعيش بمفردها في ابو ظبي، وزوجها يعمل في السعودية، ووالدتها واختها في العراق، ووالدة زوجها في تركيا،وابنها العريس في امريكا وأخوه في كندا..
صديقتي "الانترناشيونال" كما اسميها عجزت عن البحث عن عروسة لابنها الذي اصر على الزواج من عراقية ولا غير، بحثنا انا وهي عما توفر من صبايا بيننا ولم يحدث النصيب، حتى عثر بدوره على شابة حضرت منذ شهرين فقط الى كندا بعد حصولها على اللجوء بصحبة والدتها فقط، بينما بقي اخوتها في احدى الدول بانتظار الحصول على موافقة الهجرة، ووالدها لم يغادر العراق تأمينا لموردهم الاقتصادي وهو بشهادته العلمية المرموقة  وخبرته المهنية الطويلة. 
وبظل ظروف "الانترناشيونال" لم تتح الفرصة للأسف لإقامة العرس إلا في احدى دول الجوار باعتبار سهولة تيسّر ظروف الفرح وتكفل ما تبقى من اخوتها هناك بترتيباته..
حضر الجميع من شتات الارض في تلك القاعة التي تحولت لعراق مصغر صدحت فيه كل الاغنيات الشعبية العراقية، ولم تفارقني دموعي وشهقتي وتحسري وأنا ابلع غصتي وأمنيتي فيما لو حدث هذا العرس في بغداد..
منى سعيد الطاهر