اقرأ في هذا العدد
 
 




ترافيك لايت
 
ناتاشا يوسف الراضي
ناتاشا يوسف الراضي
 
وأنا اشاهد برنامج كلام نواعم الذي عرض مؤخرا من على شاشة قناة الـmbc فوجئت بفريق النواعم يستضيف عازفة الفرقة السمفونية العراقية البيانيست ناتشا يوسف الراضي، شكلها لم يكن غريبا وكأنني رأيت في عروقها دماء عراقية ولمن لايعرف ناتاشا، فهي مواطنة تشيكسلوفاكية ذات بشرة آرية وعيون بلون السماوات وقلب عراقي خالص حسب المواصفات والقياسات الوطنية كافة.
يوسف الراضي زوج ناتاشا منذ ثمانية واربعين سنة خلت هو الذي عاد بها بعد سفره إلى تشيكسلوفاكيا في ستينات القرن الماضي ويبدو إنها قررت في يوم زواجها من السيد يوسف الراضي الإرتباط الكلي والأبدي بالعراق كوطن وكرفيق روحي، فناتاشا بالرغم من كونها قد جاءت من دولة اوروبية إلا إنها إختارت أن تكون عراقية المضمون، وهذا مايدل عليه موقفها الراسخ خلال كل الظروف الصعبة والمريرة التي مر بها العراق فهي تذكر تفاصيل حروبه ومشاكله الداخلية والخارجية وتبدو مهتمة جدا بمساندة المحيط العراقي بكل ما تملك، ولا دليل اكبر من وجودها رسميا في الفرقة السمفونية العراقية منذ أكثر من ثلاثين عاماً ورفضها المستمر لخروجها من العراق في أشد الأزمات وخلال كل الحروب التي مرت على شعبه وأرضه وإستمرارها في العزف بالرغم من كل الظروف غير المواتية، ومن أغرب المواقف التي تدهشني وأنا أستمع لتفاصيلها كون ناتاشا قد تعرضت للخطف على أيدي إرهابيين وحتى هذا لم يكن كافيا من وجهة نظر ناتاشا لترك العراق والتخلي عن وطنها البديل الذي عاشت فيه أجمل أيام حياتها على حد تعبيرها.
وفي حديث صريح لزوجها يقول إنه قد تعب من دعوتها لترك العراق والنجاة بنفسها من جحيم الكثير من الصعوبات التي باتت تعيق حياتهما بشكل كبير وهو يقول إنها ترفض بتاتا فكرة بيع البيت والهجرة فقد إصبح بيتها الذي صار يستقبل عشرات الطلاب لتدريبهم فنون العزف دون مقابل جزءا لايتجزأ منها هي شخصياً.
جلست ناتاشا قبالة النواعم ورحن يسألنها بإستغراب شديد عن سبب ولعها بالعراق وحبها غير المسبوق نسبة إلى كونها من بلد اوروبي وليس عربياً، حتى ولا تربطها اي جذور عتيقة بهذا البلد سوى زوجها السيد يوسف الراضي وبيت كبير في منطقة زيونة بحديقة كبيرة ترعاها هي شخصياً فما كان منها إلا أن تقول إنها تعشق هذا البلد وتشعر إنه جزء منها، حتى بات لقبها البديل عاشقة العراق وكانت دهشة النواعم كبيرة فكان السؤال المحرج او الواقعي كيف لا ترغبين بترك العراق في ظل هذه الظروف الصعبة، فالعراقيون أنفسهم تركوا العراق؟ أجابت والإبتسامة الملائكية لاتفارق محياها نحن نمر بظروف صعبة طيلة الوقت وأنا لا استطيع أن اعيش في مكان آخر فهنا عملي وبيتي وحياتي لن أستطيع الهجرة ولن أفعل.
ناتاشا وجه مفعم بالحياة، وطاقة موسيقية لاتنضب فهي تقود الفرقة فقط بشخصيتها وطيبتها وحنانها الذي يشبه حنان الأم على صغارها وتتكلم في كل فرصة عن العازفات اللاتي تركن عملهن كعازفات في الفرقة السمفونية العراقية مهاجرات اومستقيلات بسبب قسوة الظروف التي تحيط بالوطن وبهن بطبيعة الحال وتبدو ناتاشا في غاية الحزن وهي تتمنى عليهن العودة لحضن الفرقة السمفونية في اسرع وقت.
لهذا الكائن الملائكي كل الحب وكل العرفان ليس فقط لكونها وفية مخلصة لهذه الأرض ولأناسها، ولكن لأنها تشعل فينا حب الوطن وتوقد جذوته كما لايفعل أي تكثيف إعلامي دون حتى أن تدري أو تقصد فبعفويتها تذكرنا بالكثير من القيم الإنسانية والمبادئ السامية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان في وطنه أو في أي وطن آخر. 
 
فاتن السعود