اقرأ في هذا العدد
 
 




ترافيك لايت
 
لغتهم العربية
لغتهم العربية
 
طالما كان هاجس تعليم اللغة العربية الفصحى لولدي الصغير لا يفارقني وكنت كثيرة التخوف من فرط التغيرات التي طرأت على البرامج التي بات يتابعها اولادنا من على شاشة الفضائيات، حيث انحسر وبشكل كبير كم البرامج وأفلام الكارتون الذي يدبلج للغة العربية الفصحى التي تعودنا منذ بواكير الصبا متابعتها من على شاشة التلفاز الأرضي، ولكن يبدو إن هذا الهاجس هو محض خيال إذ يمتاز جيل اليوم من الصغار (وتقدر أعمارهم مابين الرابعة والسابعة من العمر) بتمكن من اللغة العربية الفصحى لدرجة قد لايصدقها القارئ، وأنا اتحدث من موقع شاهد عيان لما رأيته من بعض الصبية ومن أماكن مختلفة وبدرجات قرابة مختلفة ايضاً حيث وجدت إن لغتهم العربية متميزة جدا بالرغم من صغر سنهم وحداثتهم وهم يتحدثون في كل الأوقات بلغة عربية تشرح الصدر وتبعث السرور في النفس، وبينما تتحدث الأمهات بغبطة لاتقل عن غبطتي وهن يصفن حديث أولادهن في كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة باللغة العربية الفصحى، بل وراحوا يتفننون في إلقائهم للكلمات وترتيب الجمل حتى إنهم باتوا يعتبروها من الضروريات والأساسيات بل تعدت لتكون البديل الأول والأفضل لهم عن اللهجة العامية وإستقر بهم الحال بالتحدث باللغة العربية الفصحى في كل الأحوال والمناسبات حتى أوقات البكاء والزعل.
وحينما رحت أبحث عن السبب وراء هذا التميز لديهم وعن العوامل المساعدة على تحبيب اللغة العربية لدى جيل الصغار وعدم نفورهم منها، بإعتبارها لغة صعبة وكبيرة على مدى إستيعابهم فوجدت السبب المفرح الذي يدعو للسعادة ورفع مستوى الأمل في الحفاظ على اللغة العربية من الإندثار  بسبب طوفان الدبلجة باللهجة العامية على المحطات الفضائية أينما توجهنا فقد تبين إن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي يتفق عليها جميع الصغار والتي إتضح إنها تقوم بسحرها في جذبهم من بين كل تلك البرامج المدبلجة باللهجات العربية المختلفة، وهي التي سحبت البساط تدريجيا من تحت أقدام كل منافسيها بالرغم من تميزهم ودقة عمليات الدوبلاج وكل تلك المغريات التي باتت علامة بارزة في عمليات دبلجة افلام الكارتون فقد حدث العكس من كل التوقعات بإندثار اللغة العربية في مواجهة المد الآخر بل كان كعبها هو الأعلى وإستحوذت بمفرداتها المتفردة على فكرهم الغض وحفرت في ذاكرتهم كل تميزها وقدرتها على التأثير فيمن يستمع إليها وباتت هي اللغة الأولى في قائمة إهتماماتهم ولا منافس لها عندهم  وأنا كلما خاطبت صغيراً وسألته عن أحواله  باللهجة العامية (شلونك؟ فيأتيني الجواب واثقاً فصيحاً أنا على مايرام كيف حالك أنت؟) أشعر إني إزاء عملاق من عمالقة اللغة، وإن عجلة الزمن قد رجعت بشكل عكسي وأتاحت لي الفرصة لمخاطبة أحدى الشخصيات العربية من تلك الأزمان الغابرة فلا نشوة تضاهي هذا الشعور بفخامة اللغة العربية ولا فصيحاً أفنى عمره في دراسة اللغة العربية ينافس هذا اللسان الغض الذي يتحدث.
حسب مشاهداتي وملاحظاتي التي اسجلها بشكل مستمر فإن وضع اللغة العربية في أمان وإطمئنان بسببها هي وبسبب قوة سحرها، وأنا اليوم أسجل وأوثق تفاؤلي بمستقبل اللغة العربية عند صغارنا حيث تلاشت كل مخاوف إندثارها بل تعدى الأمر ذلك ليصبح ثقةً عمياء بنجاتها من كل أشكال الحصار والتقوقع على ذاتها فهي لغة عنيدة عتيدة على التحديد والإنحسار، ونستطيع اليوم النوم ملء أعيننا مطمئنين على ألسنة الضاد الغضة التي تنمو وتترعرع بشكل قد يكون أفضل مما تلقيناه في صبانا وبهذا يكون الداء الذي تخوفت منه وقضيت الساعات والأيام أبحث عن طريقة ناجعة لعلاجه قد تمت معالجته والقضاء عليه بشكل نهائي بطريقة (وداوها بالتي كانت هي الداء). 
فاتن السعود