اقرأ في هذا العدد
 
 




بأقلامكم
 
قاسم ميران مازال يرسم
قاسم ميران مازال يرسم
 
لم يكن الزمان سوى ظهيرة حمراء اشتد قيظها في مقبرة تدعى وادي السلام، الكل فيها متساوون فلا اصحاب عروش ولا فقراء، الجميع تحت رمال تلتزم حياديتها من بدء الخليقة وحتى قيام الساعة، عيناي أدمتهما الدموع وقلبي مشتعل كالاتون.. ابي ايها الرسام كم رسمت من اناس كل حسب ما ترى من مناخات قلبه بلوحتك البيضاء كنقاء سريرتك والقلم الفحم الذي يدون تفاصيل البهجة على وجوه محبيك.
أبحث عنك بين القبور.. فراقك يقتلني كم مرة تمنيت لو أني سبقتك الى المقبرة.. لكن لا حيلة مع القدر.. سمعتك تناديني ان تعالي، انا ها هنا.. دليتني على مكانك رأيتك تجلس امام قبر عليه صورتك وقد خطتها اناملك في الحياة الاولى، كم كنت امازحك وانت قابع في مرسمك تؤدي طقوس الرسم باخلاص وحب ووله كبير بعالم الفن الرحيب..
ابي احتضن طيفك الان واجهش بالبكاء فتضمني بحنانك.. أبي الكثير مما علمتني من مبادئ صارت عبئاً علي، فما عادت تتناغم مع عالمنا اللاانساني، تربت على كتفي وتقول لي:
(لا تذهب نفسك حسرات).. فالبقاء للفضيلة والعفاف والانسانية العظيمة، كل ما يحدث في حياتكم الاولى (زوبعة في فنجان).
لقد اطمأنت نفسي وما ان عبقت بنسمة من فضاء الحرية، حتى رأيت العديد من اصحاب القبور وقد توافدوا على أبي الذي بدأ يمارس رسمهم، التفت الي ليبعد عني الدهشة ورهبة الموقف ويقول:
ابنتي لم أعد ارسم البورتريهات كما كنت افعل معكم.. في حياتنا الثانية هذه ارسم مراجعات الاموات لتفاصيل حياتهم الاولى، ارسم ما يرغبون من تصحيح افعالهم، ارسم ما كانوا يتمنون!.. عدت من مقبرة وادي السلام وتيقنت ان الموت حافلة تقلنا من حياة الى اخرى، وقاسم ميران مازال يرسم.
 بتول الخزرجي