اقرأ في هذا العدد
 
 




ترافيك لايت
 
تقييم بعد فوات الآوان
تقييم بعد فوات الآوان
 
لكل مبدع عمر محدد تنتهي فيه صلاحية إبداعه -إذا صح التعبير- ويتحول بعد ذلك إلى متذوق لما كان بارعا فيه ومراقبا ومتابعا جيدا حتى تذبل أوراق العمر وتأخذ الشيخوخة منه مأخذها، فيرحل في سكون  فيما كانت خطوات ركوده الفني والإبداعي قد أسست لموته الحقيقي قبل موته السريري، غير أننا هنا أمام حالة إستثنائية فبعد أن انتشر نبأ رحيل عراب الخط العربي في العصر الحديث والشاعر المشبع بنكهة البصرة الفيحاء والإنسان المفعم بحب الكلمة وفارس الحروف ومطوعها (محمد سعيد الصكار) في باريس عن عمر ناهز الثمانين، لمع فجأة هذا الإسم وراح يتداوله الكثير ممن كانوا يعرفونه حق المعرفة بنشر صور إبداعه وكلمات من قصائده مع سطور رثاء وتقدير وثناء كان من الأجدر بهم أن ينشروها في حياته وأمام ناظريه كي يشعر إن هناك من يقدر ما يعمله هذا الإنسان العظيم، وأنا أضم نفسي إلى قائمة (الجهلاء) بهذا الفنان الكبير قيما وإنجازا ألقي باللائمة على من كان يعرفه وله دراية بجهد الصكار الإستثنائي، فالرجل ليس بخطاط تفنن وتفرد برسم الخط العربي وابتكار طرق غير مسبوقة في لوحاته التي تحصد الجوائز تلو الجوائز في كل المحافل العالمية والعربية بل هو أيضا الوحيد (كفنان عراقي) الحاصل على جائزة دار التراث المعماري تقديرا لأبداعه وعبقريته في تصميم جداريات بوابة مكة وهي لعمري من أرفع الجوائز التي سيحصل عليها فنان إذ كانت من نصيب مبدعنا المغيب (ولا اعرف سببا لتغييبه).
وفنان بثقل محمد سعيد الصكار ينال جائزة معهد العالم العربي فقط لأنه بلغ سن الثمانين فأي فنان كنت أنت يا أيها الصكار؟ وكيف كان العالم الآخر (غير العراقي) قد عرف قيمتك وأحسن تقديرها؟ بينما كنا نحن نغط في نوم عميق.
كلما ذكر إسمك أو كلما نلت جائزة وترفعت درجة ولكل الذين يتمتعون اليوم بتقنيات طباعة الحروف العربية اقول، وفي النفس غصة لأنني لم أكن اعلم مثل الكثيرين، إن الحروف العربية كانت عصية على التطويع ليتم إدخالها في نظم الحاسوب، ولكن كان هناك رجل واحد لم يسمع به سوى افراد معدودين قد إبتكر (الأبجدية العربية المركزة) قبل مايزيد على الثلاثين عاما، وهي عملية معقدة لجعل الحروف العربية عنصرا أليفا يعمل في نظم الحواسيب وتقام به البرامجيات التي يستخدمها اليوم ملايين من المستخدمين العرب في كل انحاء العالم.
ونحن إذ نعيش أيام رحيل هذا التراث والإبداع المغترب منذ عام 1978 نشعر بالخجل الشديد من أنفسنا كوننا لم نعط هذا الأسم العملاق حقه بالرغم من إنه لم يكن بحاجة للترويج الإعلامي فإنجازه الغني يدل على جديته ورغبته الشديدة بالعزلة عن كل الأضواء والدعايات كي ينتج ويبدع ويقدم وفعلا قدم مالايمكن أن يكون طي النسيان فالأمة الفرنسية أعطته حقه ولم تبخل عليه بتقدير أو تكريم.
وفي قول لجاك لانغ رئيس معهد العالم العربي ووزير الثقافة السابق أشار للصكار على إنه ابر ممثل للخط العربي من المعاصرين. 
هنيئا لك يا نفحة البصرة المغتربة فكل ما نلته خارج أرضك كنت تستحقه بجدارة ونحن إذ نعزي أنفسنا ونعزي الخط العربي كونه فقد ابرز ممثليه برحيلك نشعر بالخيبة في ذات الوقت كوننا لم نتعرف عليك قبل يوم واحد من رحيلك (اخاطب نفسي على الأقل) ولا اعرف صراحة هل الوم نفسي كوني لم اكن اكثر وعيا للبحث عن اسماء عراقية غيبها الزمن وكثرة اللغط، ام الوم الجهات الإعلامية ووزارة الثقافة كونها قد تناست أن تذكرنا بهذا الكم الهائل من الفن والإبداع الذي توارى خلف كواليس الإغتراب؟.  
فاتن السعود