اقرأ في هذا العدد
 
 




على مرمى حجر
 
مجرد أن ننجو
مجرد أن ننجو
 
"تضج لوحاتي بالحياة والشفافية، وهي رسالتي لكسر الرتابة والملل اللذين قد يشعر بهما من هو في عمري وأنا على أعتاب السبعين من العمر، وأشير هنا الى أنني لم أدخل الدرس الأكاديمي كفن، ولكنني أحسب كفنانة فطرية ومن عائلة فنية طموحها إيصال قيم الجمال لكل الناس، ومن هنا ولدت أفكاري الفنية لأجسدها على خامات عراقية خالصة"..
بهذه المفردات لخصت تجربتها الواعدة وهي على اعتاب السبعين اختي الكبرى الفنانة مفيدة، ولعلي هنا استعير فكرة الكاتبة والشاعرة والناشطة المدنية الفائزة بجائزة البولتزر للرواية عام 1983 حين سألوها عن عقد الآمال على دور الفنانين في المساعدة على احداث تغيير اجتماعي والتزامهم باستخدام اعمالهم لرفع مستوى وعي الناس اكثر من الاكتفاء بالفن من اجل الفن فأجابت، "اغلب الذين اعرفهم يلتزمون حقيقة محاولة تغيير الناس والعقول والقلوب، وقسم كبير من هذا العمل يعتمد على مجرد أن ننجو ، كنوع من البشر، أن ننجو وأن ننجح، وهكذا، يضع الناس قلوبهم في داخل أعمالهم بطريقة لم يكونوا قد لجأوا اليها، منذ زمن طويل".
وهكذا هي مفيدة، ولعل من اسمها نصيب لها ولفنها، تحتفل بجمال الحياة وبجوهر الحزن والأسى ببعد  روحي وبقدرة هائلة على التكييف. 
هي المناضلة السياسية التي واجهت السجون وخضعت لوحشية انواع التعذيب في صباها ابان الحكم السابق، وهي المربية الفاضلة التي كافحت الأمية ايام السبعينات بكل ما أوتيت من قوة، وهي البطلة اليومية والأم الكادحة لخمسة أولاد والجدة لعدد من الأحفاد.
بالعزيمة نفسها والاصرار على مواجهة الحياة بحلوها ومرها لم ترهن لملل سنوات التقاعد وكسل الركود وضغوط الظروف القاسية بل تناوشت أبسط ماتوفر لديها من خامات بسيطة، من بقايا قطع قماش الملابس القديمة أو شرائها من اسواق الملابس المستعملة ومن ثم تحويلها بدأب نملة وبصبر دنلوب الى تحف فنية نادرة تثير الدهشة حقا.
لم اصدق عيني اثناء زيارتي لها بعد بضع سنوات من الغربة وهي تفرش أمامي لوحات بل جداريات كاملة جسدت فيها شناشيل البصرة واكواخ قصب اهوار العمارة وتفاصيل شارع الرشيد منفذة اياها بدقة متناهية تجعلك تشعر بالمرح والغبطة وانت ترى البط يسبح في الهور مداعبا القصب، قرب سنارة الصياد، وتدهش لمرأى أم كلثوم تصدح باغانيها صحبة القصبجي وفرقتها الفنية..
واسألها من اين لك هذه الفكرة؟ تجيبني بحسرة: هذا ما فعلته انت بي.
كيف، ولماذا؟ اتساءل.. تجيبني: تركت لي فراغا كبيرا ووحشة فراق لاتطاق ، فما كان مني إلا أن الهي نفسي بابتكار امر مختلف يبعد عني الغم والنواح... شرعت أولا بتخطيط لوحات بسيطة على الورق ثم لجأت الى ماتوفر لي من قطع قماش في البيت قصصتها ولصقتها على تلك التخطيطات، وبمرور الوقت وبتكريس المزيد من الوقت والجهد صار عندي ماترين..
في معرضها الاخير قرأت عما كتب عنه في صحف عراقية عديدة، وشاهدت جديد اعمالها فهالني صدق تعبيرها الجمالي عبر باقات من الزهور بألوان مختلفة بهدف التغيير ودفع الحياة باتجاه الافضل.. إنها الساعية نحو الخلاص من ذوات محبطة هادمة، تعكس ألقا داخليا في زمن اظلم يرشح دما على اسفلت الشوارع.. الباحثة عن سر البهجة في حدائق الروح قصد التكييف في هذا الوقت الصعب، ربما ترقبا لاوقات أصعب.
منى سعيد الطاهر