اقرأ في هذا العدد
 
 




على مرمى حجر
 
المفتاح
المفتاح
 
في السبعينات حين انشغال الشباب برومانسية ثورية تستدعي التمسك بالجديد كنا نبغي الامساك بألف تفاحة بيد واحدة. توزعت اهتماماتنا بين السياسة والأدب والفن والرياضة، سعينا لمنح كل الجوانب شيئا منا، غير محتسبين لاي خسائر وان كلفتنا مستقبلنا وحتى أعمارنا.
في الجامعة مثلا لم ننكب تماما على الدروس مثلما فعل البعض الآخر منا ولبس نظارات قراءة مبكرا، بل سحرتنا الحياة بمباهجها، مستمتعين بهامش الحرية الملتزمة الممنوحة لنا أو التي اكتسبناها عنوة.
كنا ندرس قليلا ونمرح كثيرا لكن نجتهد ونركز بامور الثقافة والسياسة. بعد التخرج في نهاية السبعينات، واجهتني شخصيا محنة الترجمة والامانة الاخلاقية التي تحتم علي النقل السليم من اللغة الاجنبية للعربية بعد اشتغالي مترجمة في اول سلم مهنتي الصحفية .فجامعة بغداد آنذاك لم تعلمنا الكثير، كنا نفتقد للدروس التطبيقية في الترجمة ولساعات المختبر اللغوي. فضلا عن تسفير المدرسين الاجانب والاقتصار على الاساتذة العراقيين الدارسين في الخارج، وحتى البعثات الدراسية  حكمتها بالطبع تزكية الحزب الحاكم آنذاك.
واقعيا بدأ الامتحان الحقيقي لاختبار معارفنا عند ممارستنا المهنة، اتذكر أول نصف صفحة ترجمتها استغرقت مني نهارا كاملا وانا غارقة بخجلي امام مسؤول قسمي  الذي تغاضى عن "خيبتي" وشجعني بجملة واحدة ذاكرا: منحتك  الجامعة مفتاحا.
وهكذا شرعت بمفتاحي  فك مغاليق اللغة ساعية لاثبات ذاتي، ولكسب قوتي حلالا هنيئا دونما صدقة او تزكية من احد. انكببت على القاموس الهائل بشراهة الجوع وبدأت بحفظ كلمات تتوارد علي في كل سطر من جريدة او كتاب اسعى للترجمة منه مسترجعة دأب زملائنا من الطلبة الصينيين في قسم اللغة العربية في الجامعة ممن كانوا يحَتمون على انفسهم، وربما بسبب توجيه حزبي من قيادتهم الطلابية التي كانت تجتمع بهم مبكرا وقبل الدوام صباح كل يوم لتمتحنهم بحفظ خمسين كلمة عربية جديدة وسط انبهارنا بكيفية التزامهم بالحفظ والمواظبة وبلبسهم العسكري ايضا.
تعلمت اللغة الاجنبية بنفسي من جديد وبدات بفتح مغاليق طموحاتي في النشر بمجلات وصحف عراقية عديدة متناولة موضوعات ثقافية وفنية متنوعة. وفي رحلة البحث عن المصادر الاجنبية حين شحت عثرت على كنز ثمين في مكتبة الطفل بمدرسة الموسيقى والباليه، وكان عبارة عن مكتبة كاملة من كتب الأطفال الالمانية كانت مهداة للمكتبة بعد معرض اقامته سفارة المانيا الديمقراطية انذاك في بغداد. من ذلك الكنز توسعت معارفي بأدب الطفل وترجمت الكثير منه حين اشتغلت في دار ثقافة الأطفال وصدر لي اكثر من كتاب مترجم.
وكان لمفتاح الترجمة والمثابرة على اغتراف المعرفة شأن آخر انقذني وعائلتي من جوع حقيقي أيام الحصار في التسعينات لاحقا. ففي الوقت الذي سعى الكثير لمغادرة العراق بحثا عن مصادر الرزق تسنت لي فرصة الحصول على صفة مراسل صحفي ببغداد  لاحدى الصحف العربية بعمان، وفي الحقيقة اقتصر عملي على الترجمة فقط لا على عمل المراسل  الصحفي البحت. كانت تصلني مجموعة اصدارات شهر كامل من المجلات الالمانية ومطلوب مني ترجمة مجموعة مقالات وبحوث لاتتأثر  بزمن محدد. لاابالغ لو اذكر اني كنت اواصل الليل بالنهار لغرض انجاز تلك المهة الغاية بالصعوبة بالنسبة الي سيما ان مستوى تلك المجلات كان  راقيا جدا من حيث اللغة والمضمون، حتى قاموسي الفخم لم يعد يسعفني بما يرد علي من مفردات فاستعين بزملاء اقدم مني كي ييسروا لي البعض منها. لم تزل اصابع كفي الايمن محفورة بفعل الكتابة شاهدة على تلك الساعات التي طالما اشفقت علي والدتي وهي تستيقظ نصف الليل وتشاهدني اترجم واكتب واراجع بحماس متقد بدافع من يسعى النجاة من العوز والايفاء بمستلزمات مسؤوليات بيت ووالدة مريضة وابنة طالبة..
ولم يخذلني مفتاح اجتهادي حتى اليوم والحمد لله.
منى سعيد الطاهر