اقرأ في هذا العدد
 
 




ترافيك لايت
 
العفوية الآسرة
العفوية الآسرة
 
الشعر الشعبي العراقي من الأنواع الأدبية التي لا يستطيع أي فنان ولا أديب ولا حتى سياسي نكرانها او حتى غض البصر عنها، وهو إذ يحسب على الأدب الشعبي فهذا لا يقلل من قيمته الفنية والأدبية شيئا بالعكس هو يرفع من شأنه ويميزه وسط الكثير من الفنون والأداب، كونه يصل إلى شريحة كبيرة جدا من الجمهور العراقي الذي راح يجد في كلمات الشعراء الشعبيين سلوى. خصوصا إن الشعراء باتوا يتفننون في إيصال الوجع العراقي بأعمق الصور الشعرية مستخدمين ذكاءهم ودهاءهم كي يعبروا في جمل قليلة عن معاني أقل ما يقال عنها إنها عظيمة، فلو تناولنا بعض الأسماء العراقية المؤثرة جدا فسوف نبدأ بطبيعة الحال الإبداعي بملك الشعر الشعبي العراقي (مظفر النواب) مرورا بـ(عريان السيد خلف) و(كاظم إسماعيل الكاطع) و(رحيم المالكي) و(عبد الحسين الحلفي) والكثير من الأسماء الرنانة التي حفرت وجودها وأثبتت براعتها في مجال الشعر الشعبي،  وقد تنوعت مواضيع أشعارهم ما بين الغزل والعتاب والحزن والسياسة أو بمعنى أصح حال المواطن. وأنا إذ أتناول هنا موضوع الشعر الشعبي لا يفوتني أن أنوه الى، إن في الوطن العربي قطبين للشعر الشعبي لا ثالث لهما مصر والعراق، فلم نسمع ونحن في بحث دائم ودؤوب عن كل ما هو جديد (أو حتى قديم) عن أي إسم لشاعر عربي تغنى بقصائد الشعر الشعبي بلهجة بلده سوى في العراق ومصر.. ومصر هي الأخرى تمتلئ خزانتها بأسماء لامعة ومؤثرة جدا في هذا المجال مثل (احمد فؤاد نجم) و(هشام الجخ) وحتى (فاروق جويدة) بالرغم من إن الأخير مقل جدا في أشعاره الشعبية، غير إنه من الأسماء التي لا يستطيع أحد نسيانها أو تجاهلها بسبب قوة أشعاره وجماليتها الفريدة فلكل واحد منهم بصمته التي تميزه وتعطيه نكهته الخاصة غير إننا إذا ما بحثنا عن شعراء شعبيين من دول عربية أخرى فلن نجد غير كتاب الأغاني وهناك فرق كبير جدا بين من يكتب أغنية وبين من ينظم قصيدة شعبية يهتز لها وجدان المتلقي من أبناء جلدته ويعتبر هذا بحد ذاته تفرداً وفخرا لكل من البلدين العراقي والمصري، وخصوصية لا يمتلكها سوى الشعبين العراقي والمصري، وفضلا عن الشهرة العالمية للشعر في العراق الذي يعتبر من أوائل البلدان التي تصدر الشعر والشعراء منذ الأزل فهو يورث الشعر الشعبي بعظمته وعمقه جيلاً بعد جيل وتكاد تمتاز جميع محافظاته بهذا الإرث المذهل، وأنت تجدهم مذهلين فيما يتغنون به من حب الوطن أو نقد الحالات الإجتماعية بشتى ألوانها وأشكالها دون أن يكونوا قد تعلموا ذلك في مدرسة أو اكاديمية ولم يتتلمذوا على يد أساتذة أكفاء لهم باع في بحور الشعر الشعبي وأوزانه، هم فقط يصبحون شعراء بالفطرة وكأنها عملية تجميع حواس وحدس لا يخيب.. فتستمع لأحدهم وتأخذك قوة نبرته وطريقة إلقائه وحبكة قصيدته وتكاد تغيب معه في عالم من الإنفعالات المتأججة بسبب كل تلك المشاعر الجياشة التي تهيلها علينا كلماته المؤثرة وبعد كل هذا ستعود إليك الدهشة من جديد بعد أن تستذكر إن من حرك إحساسك وأطلق العنان لأنفعالاتك هو مجرد شخص يقول ما يشعر به فتخرج الكلمات من فمه سحرية بليغة دون أي إستحضار مسبق، وهنا تكمن روعة الشعر الشعبي فهو عفوي وغير مخطط له فسرعان ما يدخل الكلام قلبك وهو يستشعر همومك ويلمس جدران روحك ويتعامل معك كمن يفهمك ويقول لك على الدوام أنا معك وكل ما تشعر به أو تحسه يفيض به نبضي فلا تهتم طالما إنك تستمع إلي وأنا أعلن على الملأ ما يعتمل داخل صدرك.
 
فاتن السعود