اقرأ في هذا العدد
 
 




على مرمى حجر
 
امي وفريد الأطرش!ـ
امي وفريد الأطرش!ـ
 
في مجتمع مدني يرنو للسلم الاجتماعي ساعيا لمحو الامية والرقي بالمرأة وتحريرها من بقايا الاقطاع، عاشت امي مرحلة شبابها رفقة ابي الرجل المتدين الطموح، الشاعر التواق نحو الحرية، التاجر وصاحب المصنع الصغير المفتون بالاشتراكية والسلم رغم  عدم انضمامه لمدرسة معينة واقتصار تعليمه على الكتاتيب، وامي القارئة  للقرآن التي تكتب كل ماتسمعه من كلمات حتى العامية منها، بل ولم تفتها كلمات الاغاني ايضا تكتبها بكلمات كبيرة بخط "درج البزون" مثلما كنا نمازحها.
تكتب على  اي ورقة مهما كانت سواء ورقة جريدة أو ورقة علبة السكايرلترسم خطوطها عليها.
الاثنان والدي ووالدتي "رحمهما الله" كانا ناشطين سياسيين يتابعان مايحدث من اخبار واحداث ويحضران اجتماعات المنظمات المنبثقة عن الاحزاب السائدة في الخمسينات وان لم ينتميا لها.
يوم ما قبل ولادتي بسنوات اصيبت والدتي بمرض مفاجيء عجز اطباء العراق عن شفائه او حتى تشخيصه، لازمت الفراش لاشهر وفقدت وزنها وعافيتها وتهددت حياتها، فما كان من والدي العاشق لها حتى تخلى عن كل ما يملك، وبمساعدة من جدي والدها اصطحبها  برحلة علاج صوب مستشفى الجامعة الامريكية ببيروت.
وطالت مدة سفرهما وامتدت لاكثر من عام، لازم خلالها ابي أمي رغم تركهما لبقية اخوتي ببغداد..
بعد سنوات تقص علينا والدتي بعد شفائها وعودتها حكايا اخلاص والدي لها متغزلة به امام دهشتنا وانبهارنا لعلاقتهما الحميمة مرددة على مسامعنا على الدوام "فدوة أروح اله وللبزرة" رغم خلافها المتواصل مع "اللي بزرته" جدتي بحكم العمة والكنة.. تحكي لنا كيف لازمها ليل نهار رغم منعه التواجد لجانبها بغير ساعات الزيارة واضطراره للجلوس خلف النافذة ومراقبة صحتها حتى اثناء تساقط الثلج عليه ايام الشتاء القارس. 
كنا ونحن صغار ننشدَ لذلك المشهد الرومانسي الفريد بل ونتأكد منه يوميا عند متابعتنا لعلاقتهما الجميلة.. لكن كل هذه المشاعر الساخنة لم تكن تثير غيرة والدي وهو يسمعها تغني بتلذذ اغنيات فريد الاطرش وتحفظها عن ظهر قلب، وعرفنا محبته له هو ايضا، لان خلف تلك المحبة عرفان بالجميل..
فالفنان فريد الطرش كان يتبرع  دائما بزيارة  مستشفى الجامعة الامريكية ببيروت صحبة عوده رافعا عقيرته بالغناء كي  يبعد غم المرض والغربة عن المرضى ومرافقيهم، رغم اتساع شهرته آنذاك مطربا وممثلا سينمائيا..
بدورنا حفظنا اغاني فريد الاطرش حتى الحزينة منها مثل "عدت يايوم مولدي" ورغم تعلقنا بعبد الحليم حافظ ايام مراهقتنا، وبقيت اغانيه كما ذكرياتنا لوالدي ووالدتي محفورة بالذاكرة، وما ان تجتمع العائلة في المناسبات وتصدح الاغنيات حتى يكون لاغنيات فريد الاطرش نصيب منها رغم استغراب الجميع منا.. اتذكر مرة اجتمعت واخوتي في يوم عيد وشرع الاولاد يغنون ويدبكون مع اغنيات كاظم الساهر، فما كان منا نحن الكبار حتى بدأنا نغني "ياعواذل فلفولوا" مسترجعين تلك الاغنية الطريفة وفريد يغنيها صحبة الراقصة معشوقته سامية جمال في فيلم "آخر كذبة"، غنينا جميعا فاختنقنا بالغصة وتحول الاحتفال لبكاء كالعادة!
منى سعيد الطاهر