اقرأ في هذا العدد
 
 




ترافيك لايت
 
لنتعلم من الأطفال
لنتعلم من الأطفال
 
كلما جلست في فسحة الدار التي يجتمع فيها صغارنا تأخذني بساطة تعاملهم فيما بينهم فأنا ومنذ الوهلة الأولى أركز وبشدة على كل تفاصيل لعبهم ونقاشاتهم المثيرة للإستغراب ونباهتهم حتى خلافاتهم التي تبدو لمن يتابعها بدقة، عصية على الحلول البديهية وبالفعل أؤمن وقتها بالمثل العراقي الطريف (قاضي الجهال إنتحر ومات)، فهم بالفعل يجعلونك تصل حد اليأس من إيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف، فأنت وفي خضم محاولاتك لزرع الثقة فيهم ومعاملتهم برقة وتعقل تجد نفسك وبعد أن تضيق ذرعاً بردود افعالهم قد أصبحت دكتاتوريا وبجدارة حتى يعم الصمت والرضى وال(خوف) الأجواء، للأسف هذا ما يحدث في كل مرة غير إنهم وفي لمسة إيجابية تتمتع بها الطفولة وبراءتها، يتميزون بقلوب بيض لا مثيل لها، فبمجرد أن يرتد لك طرف عينك حتى تجدهم قد تفاهموا وأحبوا بعضهم بعضا من دون أي سبب يذكر، وراحوا يلعبون بهدوء وإنسجام قل نظيرهما وتسود روح الإيثار لديهم فلا يعودون يتنازعون لعبة ما فيما بينهم ولا تثير عملية ترديد الجمل غضبهم وسخطهم، بل تكون مدعاة لضحكهم وسعادتهم فتجلس انت ساهماً متفكراً فيما غير حالهم وكأنهم قرروا في لحظة أن يتفقوا وينبذوا كل ما من شأنه أن يزعجهم أو يعكر مزاجهم وفي نفس الوقت يوظفون نفس الأسباب التي كانت محط خلافهم وإختلافهم إلى أسباب سعادتهم وروابطهم المشتركة، فاللعبة التي كانت في محل نزاع أصبحت هي اللعبة التي يلعب بها الجميع، بل ويدفع بها كل طرف إلى الآخر في نوبة كرم مفاجئة حتى إنك لا تمل من متابعة هذا التغيير الجذري الذي يعود عليك بنعمة الهدوء وراحة البال فتمضي لإنجاز بعض الشؤون وأنت مطمئن إنك ستنجو من إستدعاءات فلذات الكبد التي تطلب منك حلا ما يمكن حله وإعادة الحقوق المغتصبة إلى اصحابها الشرعيين، وبالطبع نتيجة التعويد والروتين فأنت تعلم جيدا إن هذه السعادة الحالمة لن تدوم طويلاً فهي مرهونة بمزاج طفولي معقد ومن الممكن أن تقدح شرارة إنعدام الأمن وعودة المشاحنات في أي لحظة لذلك لا تتأمل إستمرار هذا الوضع الجميل وجهز نفسك للحظة العودة إلى نبرة الصوت الواثقة والمسيطرة لفرض الهدوء وإستتباب الأمن مرة اخرى. ودائما بعد كل موقف مشابه كنت أجلس متفكرة لماذا لا نتعلم شيئاً إيجابيا من الأطفال فنحن نعلمهم طوال الوقت ونزرع فيهم الكثير من الأفكار والأسباب التي تساعدهم على تلمس طريق الحياة، فهل فكرنا ولو لمرة واحدة أن نقتبس من عفويتهم وتصرفاتهم غير المدروسة شيئا مفيدا قد يعود علينا بالفائدة في سلوكيات الحياة الشائكة بالطبع أعلم إنها دعوة غريبة ولكنها غير مستحيلة، فلنترك عدم الإدراك والحكمة في تصرفات صغارنا ولنركز على نقاء القلوب وصلاح النوايا وبراءتها وحب الآخر وترك الماضي وعدم التمسك بكل ما من شأنه أن يعزز التفرقة وحب الإنتقام والعمل على توظيف كل شيء سلبي إلى شعور إيجابي يعزز أواصر المحبة ويقويها وجعل ما يفرقنا هو ذاته ما يربطنا وهو ما نتشارك به وليس ما نختلف عليه وبالطبع لو أراد كل واحد منا البدء بذلك سيكون لدينا شيء مهم نستقبل به أيامنا القادمة ونحن بحاجة لتأسيس ثقافة للتعامل فيما بيننا ولا يكفي أن نقوم بتجديد الأسس القديمة، بل قد نحتاج لبناء أسس جديدة غير تلك القديمة من أجل غد أجمل ولكي نفوت الفرص التي من شأنها إرجاع مجتمعنا إلى أزمنة غابرة كان يسودها انعدام الرأي الآخر وقلة الوعي بأهمية الأخلاقيات العامة في المجتمع والتعددية وغيرها من سمات مجتمعنا العراقي. 
 
فاتن السعود