اقرأ في هذا العدد
 
 




في ضيافة الشبكة
 
الطبيب الذي اقاله صدام..د.فرحان باقر:متقاعد ومازلت أعمل وأفكر وأنجز
الطبيب الذي اقاله صدام..د.فرحان باقر:متقاعد ومازلت أعمل وأفكر وأنجز


من منا لم يسمع بالدكتور فرحان باقر؟ اسم لامع في تاريخ الطب العراقي، درس الطب ومارسه ودرَّسه لأكثر من نصف قرن، على يديه تعافت أعقد الحالات المرضية وأصعبها تشخيصاً، فذاع صيت علمه وحرص أغلب حكام العراق المعاصر، من الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ومن تبعه حتى رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي، لأن يخضعوا لسماعة تشخيصه ويتطببوا على يديه.
لذا فأن سيرته العلمية والحياتية الشخصية، تعد جزءا من مجريات أحداث تاريخية مهمة. ومن يستمع له أو يقرأ كتابه سيتوقف عند تفصيلات مذهلة..
وبخربشات خط وصفة الطبيب عثرت مصادفة على إهداء لصديق كتابه (حكيم الحكام من قاسم إلى صدام)،  فلم اكتف بقراءته والتهام معلوماته بجلسة واحدة، بل بحثت عنه مباشرة، سيما أنه يقيم في أبو ظبي، وبعد اتصالات ومواعيد عديدة كان لـ(مجلة الشبكة العراقية) معه هذا الحوار:
يصفه الدكتور عبد الهادي الخليلي في مقدمة كتابه (حكيم الحكام من قاسم إلى صدام): لقد كان طبيباً نطاسياً ومعلماً موهوباً يحب أن يهب علمه لكل من حوله، يقدس المريض الذي هو محور حياته، ويحب التنظيم والنظام والالتزام بالوقت وكذلك التجديد المستمر وتطبيق ما استجد في علم الطب في العالم المتقدم ويذكر أيضاَ:  كان للسنين التي قضاها بعد التخرج مباشرة كمعيد في الفسيولوجي أثر بالغ في رغبته في البحث العلمي العميق وربط العلوم السريرية بالعلوم الطبية الأساسية من خلال عمله الطبي. ومن ذلك اهتمامه بالجهاز التنفسي وأمراضه، حيث استحدث مختبر الفحوصات التنفسية السريرية في المستشفى الذي كان مثالاً لهذه العلاقة التطبيقية بين الطبين السريري والأساسي.
ومن باب الاعتراف بفضل الريادة لابد لنا من تعداد أولويته في مجالات عديدة، فهو الرائد في استحداث الندوة السريرية الباثولوجية في المستشفى الجمهوري ببغداد، وهو أول من بدأ بما يسمى بالدورة السريرية الكبرى التي تُناقش من خلالها الحالات المهمة والنادرة التي تواجه الأطباء المعالجين والتي تحتاج الى استشارة جماعية.
ويشهد له الريادة بتثبيت دستور عراقي للأدوية عملاً بما هو موجود في كل دول العالم المتقدمة وقد صدر دستور الأدوية العراقي تحت إشرافه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وهو من أوائل الذين  استخدموا  الزرع المختبري في حالات الالتهاب وعدم الاعتماد على تقييم الحالة السريرية فقط في علاج الحالات الالتهابية.
وفي السبعينات حينما انتشر التسمم الزئبقي في العراق كان من الرواد أيضا الذين قدموا خدمات علمية وبرامج للتعامل مع ذلك الحدث الرهيب بأساليب علمية ناجعة.
أما في مجال الخدمات الطبية فكان الدكتور فرحان قد استحدث أسلوب تحديد عدد المرضى والمراجعين في العيادة الخاصة.
واوجد نظام زيارة المريض بموعد مسبق ليوفر لنفسه الوقت اللازم للبحث والاستزادة من العلم، فضلا عن إدخال مشروع التفرغ التام أكاديميا وسريريا في كلية الطب ببغداد.. وقد تميز فعلا بنشر خمسين بحثاً قيماً في أفضل المجلات العلمية العالمية والمحلية وكان الطبيب العراقي الوحيد الذي نشر له بحث في مجلة (علوم) الأمريكية ذائعة الصيت.
وعلى الرغم من إنجازاته هذه، أحيل على التقاعد في العام1979 مع خمسين طبيبا آخر من خيرة ما أنجب العراق وهم في قمة عطاءهم إلى جانب صفوة من العلماء والأدباء والأكاديميين بإيعاز مباشر من صدام حسين.. فغادر العراق مهاجرا الى أمريكا وبقي متنقلا بينها وبين الإمارات المتحدة.

رحلة طويلة
بعد هذه الرحلة الطويلة من الإنجاز والبحث والسفر، كيف تنظر للزمن الآن، بماذا تفكر؟
حالياً متقاعد لكني فعّال بطبعي مازلت اعمل وأفكر وأنجز.
كيف؟
كنت قد تركت عيادتي الخاصة هنا في أبو ظبي على مضض بعد أن أصبت بمرض أعاقني عن العمل في العام2007، ثم عرض علي الأستاذ نوري المالكي العمل مستشارا في الرئاسة وعملت مدة قصيرة ثم وجدت نفسي لا استطيع إنجاز عملي على وجه  الكمال والرضا فتقدمت باستقالتي، كما إن عمري لم يسمح لي بالتدريس في الجامعة بحسب قوانين التعليم العالي. ومع هذا مازلت أواصل العمل بتجميع مصادري وتأليف كتبي، وقريبا سيوزع كتابي الثاني (لمحات من الطب المعاصر في العراق).
أما بالنسبة للزمن فأراه يمضي بسرعة فائقة مثل فيلم قد تلخص أحداثه خلال ساعة أو ساعتين. وها أنا انظر لما حدث لي في العام 1979 حين أقلت وأنا في قمة عطائي العلمي من قبل صدام حسين، وكنت أول أسم ضمن مجموعة من أفضل أطباء العراق، ومازلت أحتفظ بكتاب الإقالة.
ومن تجربتك الحياتية الغنية أية حكمة توصلت لها؟
لا يدوم إلا الصدق والحق والأمر الجيد. وقد يتعرض المرء لهزات والحياة عموماً في صعود وهبوط، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح كما يقال. لم أجد شيئاً ذا قيمة حقيقية سوى (الاكتفاء)، وأقصد هنا أن لا يمد الشخص يده لأحد غيره. كما إن الطمع والتطرف في الحصول عليه لم يخطرا ببالي يوماً ما، والحمد لله لي كفايتي.
* في كتابك الأول ذكرت حادثة أهداك فيها الرئيس الاسبق أحمد حسن البكر، حدثنا عنها.
كنت أنوي السفر لحضور مؤتمر عالمي للتدرن في أمريكا في حزيران1969، ومررت بالرئيس البكر، لكوني طبيبه الخاص آنذاك، للسلام والاستئذان، فطلب مني حينها أن أحاول جلب عدد من الزملاء من الأطباء العراقيين المتواجدين في أمريكا وإقناعهم بالعودة للعراق. فسألته ببراءة: ماذا أقول لهم؟ فقال: كما شاهدتنا وعرفتنا سنعطي كل ذي حق حقه ونمنح كلا منهم ما يستحقه من لقب مهني أو تدريسي ونسهل له أمور السفر، ثم قدم لي ظرفاً يحوي نقوداً حسب ما يظهر، فاعتذرت بأدب وخجل واضحين عن قبوله، لكنه أصر على ذلك ذاكراً بأني قد أحتاج إليه في دعوتهم على العشاء أو الشاي فأجبت بأن لدي من المال والحمد لله ما يكفي وإن فعلت ذلك فسيكون على حسابي الخاص وسأكون سعيدا بذلك. بدا الامتعاض واضحا على ملامحه وليس في كلامه، ولما دخل عليه الدكتور عزت مصطفى وزير الصحة آنذاك وجده ممتعضاً بعينين حمراوين دامعتين كما أخبرني، فعاتبني على ما بدر مني، فقلت له إنني لم أفعل ما يغضب، ولم أسيء التصرف ولم أتفوه بما لا يليق وكل ما فعلته أني اعتذرت عن عطية مالية فقط، فأجاب، بأن هذه عادة متبعة وليس فيها ما يضر أو يهين. لكنه عرف أني لا أباع ولا أشترى، وحتى صدام عرف طبيعتي جيدا.
* نرجع لكتابك الجديد ما أهم ما يتضمن؟
استعرضت فيه تاريخ الطبابة في بلاد ما بين الرافدين قبل الإسلام وخلاله. وقد كان ضعيفاً جدا بحسب ما وردنا من المصادر التاريخية إلا ما جاء في القرآن الكريم، ثم استعرضت الطب في العصور الإسلامية اللاحقة وفورته وانتشاره في العالم وخصوصا في الفترة الذهبية في عصر المأمون ثم عصر التدهور عند غزو المغول وتدمير بغداد مرورا بالعهد العثماني والفترة المظلمة ثم الاحتلال البريطاني وقد بدأت فيه بوادر شروق أشعة الشمس في الأحوال العامة إذ تأسست الكلية الطبية ببغداد عام1927 وهي من أوائل كليات الطب في منطقة الشرق الأوسط. وبدايتها كانت قوية صلبة لأنها  أتبعت نظام واحدة من أعرق الكليات الإنكليزية وهي كلية الطب في أدنبرة- اسكتلندا بفضل العميد سندرسن باشا الطبيب المرافق للجيش البريطاني.
* أتذكر هذا الاسم وكان طبيبا في الحلة وقد عالج جدتي بحسب ما ذكر لي، هل هذا صحيح؟
- نعم لقد عين في الحلة في البدء كرئيس للمستشفى ثم أصبح  طبيب ومستشار الملك والسفارة البريطانية والخارجية. وبفضل صداقته للملك فيصل الأول بنيت الكلية الطبية ببغداد بالرغم من انشغالاته، ويشرفني أن أكون أحد طلبته وقد درسَّني في صفي الثالث والرابع طبية ثم استقال.
وفي كتابه بعنوان(10 آلاف ليلة وليلة في بغداد) يذكر سندرسن: لحسن حظي عينت في بغداد، البلد البائس زمن الحكم العثماني واستطعت تشكيل كلية وخرجت500 طبيب، والآن استطيع التقاعد.
وتبدو وراء لقب (الباشا) قصة ترويها لأول مرة في كتابك الجديد أليس كذلك؟
نعم وراء هذا اللقب سر قد يكتشف أول مرة آمل أن تجديه في كتابي المقبل.
وكيف كانت الكلية الطبية آنذاك؟
لقد احتلت منزلة مرموقة بين الكليات وكادت تكون موازية للكلية الطبية الأمريكية ببيروت وخرجت آلاف الأطباء، منهم من أصبحوا قادة الطب في المنطقة في الكويت مثلا أو السعودية واليمن والأردن.. الأمر الذي وفر مكانة جيدة للطبيب العراقي أيضا الذي أصبح مطلوبا من قبل الجامعات التي أدارها خريجو بغداد في تلك الدول.
لقد توفرت فيها الجودة الى جانب مجانية العلاج وشهدت إجراء عمليات كبرى للقلب المفتوح من قبل الدكتور يوسف النعمان مثلا وغيرها من العمليات.
ثم أخذ مستواها بالهبوط فترة الثمانينات، فكانت أول نكبة كما نعتتها إحدى المجلات الطبية العالمية، بمذبحة مدينة  الطب حين تمت إقالة قرابة الخمسين  طبيباً من خيرة أطباء العراق في نهاية عام1979 وكان اسمي على رأس القائمة كما ذكرت، ثم عمدوا إلى إغلاق الدراسة التي كانت ضمن عضوية كلية الأطباء الملكية البريطانية ووضعوا البورد العراقي، وهو جيد وقد سد جزءا من الفراغ العلمي لكن ليس على حساب الدراسات الاخرى المعروفة عالمياً. ثم مر العراق بظرف الحصار وعدم تمكن الطبيب من السفر للخارج لغرض التخصص، ثم عمدوا إلى التمويل الذاتي بسبب ضعف التمويل الحكومي للمستشفيات إلى جانب ظرف الحصار القاسي الذي لم يسجل التاريخ مثل قساوته وما جر على البلد والطب بشكل خاص من كوارث.

مقتل أكثر من600 طبيب عراقي
فوجئت وأنا في طريقي الى بغداد بامتلاء الطائرة بالمرضى العراقيين المتجهين صوب الهند للعلاج، ما الذي حدث لأطبائنا المشهود لهم بالكفاءة التي تحدثت عنها، وهل يعجز الطب عندنا عن علاج هؤلاء؟
بعد الاحتلال بدأت الدوائر الطبية عندنا تستعيد عافيتها تدريجيا لكنها جوبهت بحملات من القتل والاختطاف، وهكذا فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ولعل آخر كارثة حصلت للطب العراقي مقتل الدكتور محمد العلوان عميد كلية طب المستنصرية مؤخرا، وهو احد تلامذتي ومن خيرة الأطباء. هناك جهات تعمل ضد مصلحة العراق. وحتى مجلس نوابنا طالب اعضاؤه مؤخرا بسيارات مصفحة لحمايتهم تبلغ أسعارها الملايين في حين قتل حتى الآن أكثر من600 طبيب عراقي ولا حماية للآخرين، ولا احد يستمع لشكوانا ولا من مجيب لدعواتنا.

لا تقاعد لي..
والآن ما الذي يمكن إنقاذه من هذا الوضع برأيك؟
الكثير عند توفر حسن النية والدراية والإخلاص والمواطنة الصالحة، وهذا ما ذكرته أثناء حضوري لمؤتمر الكفاءات ببغداد، لكن المؤتمر لم يبلغ النتيجة المتوخاة بسبب نواقصه فكتبت مذكرة لأصحاب الشأن، لكن في الحقيقة الأمور تسير ببطء شديد ومثل (ناكوط الحِب) بسبب البيروقراطية التعيسة. صحيح يكتب في الصحف عن حلول لمشاكل الطبيب العراقي لكن في الحقيقة حين يعتزم أي طبيب العودة ويرسل مثلاً أوراقه بالبريد لا تقبل ويطلب منه مراجعات وتكاليف قد لا يتحملها وبالتالي لا يتشجع على الخوض بها. تصوري بالنسبة لي حتى الآن لم احصل على تقاعدي من الدولة برغم متابعتي الوعود الكثيرة التي حصلت عليها، ومن المخجل الإتيان على تلك الصعوبات التي هي (أسخف من السخافة) في القرن الواحد والعشرين عصر التقنيات والانترنت والفيس بوك وطرق الاتصالات الأخرى.

منى سعيد الطاهر