اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 صفية السهيل: طاغور وبشارة الخوري والملك فهد والرئيس التركي زارونا في عكركوف
 نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي شاعر ورسام مهابة الجنرالات قادته الى العسكرية
 ابراهيم بحر العلوم الفدائيون الفلسطينيون دفعوني للكتابة والنشر
 الدكتور وليد الحلي: حوارات الشيوعيين والبعثيين والاسلاميين كانت تدار في بيتنا
 النائب وائل عبد اللطيف: حكمت احدهم بالاعدام واخرجت اخر يحكمه القانون بالسجن 16 سنة على مسؤوليتي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

بعيدا عن السياسية
 
مفيد الجزائري: الحسين أثر في توجهي الى الحزب الشيوعي
مفيد الجزائري: الحسين أثر في توجهي الى الحزب الشيوعي

وانا في طريقي لاجراء الحوار مع الاستاذ مفيد الجزائري عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ووزير الثقافة الاسبق تزاحمت في مخيلتي أسئلة عدة.. كيف سأبدأ حواري معه واي سؤال سيكون في الصدارة..؟ تركت التفكير وقررت ان ارتجل اسئلتي حسب مايقتضيه الحوار.. تأخرت كثيرا عن الموعد بسبب الزحام الشديد في شوارع بغداد.. وما ان وصلت ووضعت قدمي في بداية طريق الشعب وهي الجريدة التي ستكون مكانا لاجراء الحوارحتى عرفت ان الاستاذ مفيد الجزائري قد انتظرني كثيرا ما اضطره لحضور أحد الاجتماعات انتظرت وما ان رفعت رأسي حتى وجدته مبتسما معتذرا عن التأخير.. بهذه الابتسامة التي لاتفارق محياه، استقبلنا في مكتبه في جريدة طريق الشعب فكان هذ الحوار البعيد عن السياسة والقريب منها في بعض الاحيان.
* لنتحدث عن طفولتك اولا.
- ولدت في شباط1939 وحسب ماروت لي والدتي اني ولدت في فترة كان الجو فيها شديد البرودة تسمى هذه الفترة (المربعانيه) حيث تنخفض درجات الحرارة لأدنى مستوياتها.. في ناحية المدحتية قضاء الهاشمية لواء الحلة والمدحتية قرية كبيرة كانت اشبه بالمركز التجاري للقرى المحيطة حيث يتوافد عليها سكان القرى الاخرى لعرض منتوجاتهم والتبضع من سوق المتحدية.. والدي كان بزازا وحالتنا المادية متوسطة. عشت طفولة معقولة بفضل عمل والدي ولم يكن يعوزني شيء في تلك المرحلة.
اكملت دراستي الابتدائية في الناحية نفسها وشاءت الصدف ان تبنى مدرسة متوسطة في السنة نفسها التي انهيت بها دراستي الابتدائية فالتحقت بها مباشرة.. الطفولة كانت بسيطة ومفعمة بالحيوية والبساطة لم تكن ريفية خالصة لكنها كانت تحمل الكثير من سمات الريف. والدي المرحوم الحاج محمد كان يجيد القراءة والكتابة وحين كنت صغيرا كنت اشاهد والدي وهو يواظب على قراءة الصحف والمجلات، منذ ذلك الحين ازداد اهتمامي بالقراءة والمطالعة، فضلا عن وجود جهاز الراديو في منزلنا وكان من المنازل القليلة التي تمتلك هذا الجهاز وأذكر كيف كان والدي واصدقاؤه يتجمعون حول الراديو لينصتوا الى آخر اخبار الحرب العالمية الثانية وبعدها يبدأون بتحليل الاخبار والاحداث، كان هذا الحديث يشدني كثيرا، الحديث بشأن النازية وقوات الحلفاء كل ذلك زاد من اطلاعي على الكثير من الأمور الاجواء كانت طفولتي.
*ما الذي بقيّ عالقا في ذاكرتك من هذه الايام؟
-الحقيقة هي امور كثيرة ولكن الذاكرة غائمة.. لكني اذكر اهم الاحداث التي مرت في هذه المرحلة ومابعدها.. اذكر أنني عندما كنت في الصف الاول الابتدائي زار المدحتية متصرف لواء الحلة واثناء جولته التفقدية كانت مدرستنا ضمن هذه الجولة فأقيم احتفال كبير في هذه المناسبة وتم اختياري لالقاء كلمة المدرسة رغم صغر سني، كان هذا حدثا كبيرا مازال عالقا في الذاكرة.. الحياة كانت بسيطة جدا وحين اذكر تلك الايام اذكر الحياة الجميلة، الجيران واللعب في(العكود) الذهاب الى البساتين والصيف الحار جدا وكيف كنا نحاول التخلص من هذه الحرارة بالذهاب الى النهر والسباحة.. اذكر ايضا كان هناك في مرحلة الابتدائية مجموعة من المعلمين المصريين ولكن ابرزهم كان معلم اللغة الانكليزية ومازال عالقا في ذاكرتي، كيف كان ينطق الحروف حيث كان يعطي لكل حرف صوتا مميزا وحين يصل لحرف الـ(o) كان ينطقه بألم.. هناك حدث كبير في طفولتي وهو ذهابنا في سفرة مدرسية الى محافظة البصرة واذكر اننا حين استقلنا القطار.. هز الحدث امورا كثيرة في حياتنا الرتيبة حيث شاهدنا ان هناك قطاراً يسير لساعات وشاهدنا عالماً اخر في البصرة وشط العرب والبواخر العملاقة، فعلا كان هذا اهم حدث في طفولتي.. الحدث الاخر الذي مازال ايضا في ذاكراتي هو مراسيم عاشوراء واجواء العزاء والمواكب وزيارة كربلاء كانت في اطراف المدحتية ارض غير صالحة للزراعة وكانت تقام هناك (التشابيه) في ذلك الوقت كان هذا حدثا مهما بالنسبة لي حيث المسرح الطبيعي والتلقائي العفوي والتشابيه لشخصيات الامام الحسين والعباس واصحابهما.
* هل اثرت هذه الاجواء بحياتك بشكل او بآخر؟
- نعم حين تقدمت بي السنين وفي مرحلة الصبا وبشكل تلقائي ترسخت قضية استشهاد الامام الحسين من اجل قضية عادلة من اجل اعلاء كلمة الحق ودفاعا عن الحرية، ايماني بهذه القضية جعلني اميل الى الفكر الوطني وجعلني اطلع على منشورات ومطبوعات تخص الحزب الشيوعي وشيئا فشيئا نشأت هذه العلاقة وحين ارجع بذاكرتي الى ذلك الحين اجد ان انحيازي لقضية الامام الحسين وشعوري العميق بالتعاطف مع هذه القضية وتقديري لامثولة الحسين اجد انها لعبت دورا اساسيا في توجهي لمحور العمل الوطني ونحو الحزب الشيوعي وتعمقت وترسخت بمرور الزمن وكانت بالممارسة العملية.. كيف ان الشيوعيين يضحون ويستشهدون ويجاهدون في سبيل قضايا الشعوب والحرية وبمعنى من المعاني كان هذا الطريق هو طريق الامام الحسين الطريق الذي يتفانى فيه الانسان ويتسامى من اجل قضية عادلة.
* لننتقل من المدحتية الى بغداد.
- بعد انتقالي من المرحلة المتوسطة الى المرحلة الاعدادية انتقلت الى بغداد في الاعدادية المركزية، وسبب ذلك ان في بغداد كان لي ابن عم يدرس في كلية التجارة فكان القرار ان اذهب الى بغداد واسكن معه واكمل دراستي الاعدادية، وشاءت الصدف ان تكون هذه السنة سنة غير عادية بكل المقاييس حيث كان هناك حدثان مهمان كان لهما تاثير كبير في شخصيتي.. اولهما هوفيضان بغداد واذكر كيف كنا نخرج نحن طلاب الاعدادية ونسهم في الجهود الرامية الى وقف تدفق المياه الى الشوارع والازقة وكيف كنا نضع الاكياس الرملية على السدة لمنع وصول الفيضان.. هذا الحدث اثر بي جدا من خلال العمل الطلابي المشترك والمساهمة في حماية عاصمتنا من خطر الفيضان.. بحق كانت معركة من نوع خاص..، الحدث الاخر هو الانتخابات النيابية وكانت اول انتخابات يسمح بها بحرية الحملات الانتخابية وخاضت القوى السياسية المعارضة للنظام الملكي آنذاك معركة شرسة واستطاعت ان تحصل على عشرة مقاعد برغم التزوير والتدخل المباشر.. هذه المعركة الانتخابية كانت لي فيها مشاركة فاعلة حيث كنا ناشطين في اتحاد الطلبة.
* هل تذكر شخصية ما ان كانت في مرحلة الدراسة او المراحل الاخرى اثرت بك؟
- نعم في مرحلة الدراسة الابتدائية اكاد اتذكر الوجوه دون الاسماء لكن في المرحلة المتوسطة في المدحتدية كان هناك مدرس اسمه زكي عزيز وكان نموذجا للمربي الحقيقي والفاضل كان ضمن مجموعة من الاساتذة منهم عبد اللطيف معروف، ولكن اكثرهم تأثيرا كان الاستاذ المرحوم زكي عزيز.. شخصية فذة لم يكن مدرسا فقط وانما كان مربياً بحق كان يكوّن شخصيتنا تكوينا انسانيا ووطنيا كان يدرك اهمية دوره كمعلم.
* هل اكملت دراستك بعد ذلك؟
- الحقيقة لم اكمل دراستي حيث واجهتني مشكلة آنذاك عند عودتي الى الحلة بدأت انشط من جديد ضمن اتحاد الطلبة.. وكانت هذه المرحلة تحمل في طياتها الكثير من الثقافة والمعرفة حين كنا نجتمع مع بعضنا ونناقش احد الكتب الذي قرأه احد الزملاء وكانت هذه المناقشات تكاد تكون اسبوعية وهذا ما اتاح لنا الاطلاع على الكثير من الكتب والمناهج في جميع الميادين سواء كانت سياسية أم ادبية وهذا ما وفر لنا خزينا ثقافيا وفكريا بعد ذلك.. وعلى مايبدو اننا كنا مراقبين من قبل السلطات آنذاك.. تم استدعائي من قبل مدير المدرسة ووجدت الشرطة في انتظاري وبعد تفتيشي بصورة دقيقة عثروا على ورقة كانت تتضمن قصيدة ثورية قد كتبتها، وبالمناسبة ان هذه اول واخر قصيدة اكتبها.. سألوني وانكرت صلتي بهذه الورقة وبعد تطابق الخطوط احلت الى المحكمة وتم الحكم عليّ بالحبس لمدة ستة اشهر مع وقف التنفيذ، لا اتذكر من القصيدة سوى مطلعها الذي يقول..
زهق الحق وساد الباطل..
         واصطلى الشعب وجاع العاطل

وبناء على هذا الحكم تم فصلي من المدرسة.. وكان في ذلك الوقت من يحكم عليه بوقف التنفيذ يفصل من دراسته ويبقى تحت المراقبة وكان لابد ان يساق الى احد المعسكرين احدهما في السعدية لواء ديالى والاخر معسكر الشعيبة في البصرة وهذان المعسكران يساق لهما المفصولون السياسيون لاداء الخدمة العسكرية بمعنى اخر هي اقامة جبرية لمراقبة سلوكك اثناء هذه الفترة.. قررت عدم الانصياع لهذا الامر وهربت من الحلة الى بغداد.. في فترة الدراسة في بغداد تعرفت على عدة اشخاص منهم شخص يدعى جباراستقبلني هذا الشخص بعد هروبي من الحلة وضيفني لمدة ثلاثة اشهربعد هذه المدة وجدت ان الامر اصبح صعبا ويثقل كاهل صديقي كونهم عائلة فقيرة لكنهم حقيقة الامر كرماء جدا.. فحاولت ان اجد مخرجا لهذا الامر.
* ما هذا المخرج؟
- بعد ان سعيت لايجاد فرصة عمل حصلت على فرصة في شركة التميمي للمقاولات التي كانت مهمتها بناء دور سكنية للمهندسين الامريكان المسؤولين عن تشغيل سد دربندخان وهذه كانت تجربة فريدة بالنسبة لي لاني وللمرة الأولى اعمل بأجواء فيها كدح وبؤس حقيقيين وكيف كنت ارى آلاف العمال وهم يعشون في اوضاع مزرية.. وعلى مايبدو ان بعض الاشخاص قد وشوا لدى صاحب الشركة بخصوص انتمائي السياسي فما كان من صاحب الشركة الا ان يتخذ قرارا بنقلي الى مشروع اخر في السليمانية.. في السليمانية كونت صداقات عديدة منها مع الشاعر الكردي كاميران وكان شاعرا شابا ذاع صيته بعد ذلك كنا نلتقي في احدى المكتبات التي كان صاحبها كاكا حما واذكر انا وكاكا حما قمنا بترجمة قصيدتين للشاعر كاميران ونشرتا في إحدى المجلات وظهر اسمي حينها كمترجم لهذه القصائد.. وكالعادة رصدتني بعض العيون وأوصلوا خبرا لصاحب الشركة ان موظفكم هذا يلتقي مع الشيوعيين.. تم نقلي مجددا الى اربيل ثم الى الموصل وبعدها الى كركوك وبعدها تركت العمل بشكل طبيعي.
* متى بدأت علاقتك بالصحافة؟
- في عام1956 كتبت قصة قصيرة لمجلة الفنون بعد اعلانها لمسابقة عن القصة القصيرة ومجلة الفنون كانت مجلة فنية وتكاد تكون اولى المجلات العراقية المختصة انذاك واذكران صاحبها كان المخرج كاميران حسني مخرج فيلم سعيد افندي.. وانتظرت العدد الذي ستعلن فيه النتائج فتفاجأت حين وجدت ان الصفحات التي تحتوي على نتائج المسابقة قد ازيلت وعند سؤالي في مدينة الحلة تبين ان جميع النسخ قد أزيلت منها النتائج.. شددت الرحال الى بغداد وبعد السؤال والتقصي عثرت على مقر المجلة، قدمت نفسي لهم فوجدت الترحاب الكبير والحار بقدومي انبهرت بهذا الاستقبال وتبين فيما بعد ان قصتي قد فازت كأفضل قصة قصيرة.. ولكن الرقابة انذاك قامت بازالة النتائج والقصة التي كانت منشورة معتبرة انها قصة محرضة.. القصة كانت تدور حول المزارعين في بلدتنا وهي قصة حقيقية حيث كان المزارع يحصل على خمس المحصول وبهذه النسبة يسددون مابذمتهم من ديون طيلة السنة.. في تلك السنة اجتاحت المنطقة امطار غزيرة واتلفت جميع المحاصيل ولم يحصل المزارعون على اي شيء، كانت قصة مؤثرة تحكي واقع الفلاحين والمزارعين انذاك في ظل نظام الاقطاع.. ومنذ ذلك الحين تعرفت على بعض الصحفيين منهم الصحفي (صالح سلمان) الذي اشتهر بعد ذلك باسم صالح سليمان.. عند عودتي من كركوك توجهت اليه مباشرة وكان يعمل حينها رئيس قسم الاخبار في جريدة الحرية التي كان يمتلكها قاسم حمودي وهو والد سعد قاسم حمودي وجعفر قاسم حمودي اللذين اصبحا فيما بعد من قادة حزب البعث.. شرحت ظروفي لصديقي صالح.. وتم الاتفاق على ان اعمل مصححا بالرغم من انني لم تكن لي تجربة في هذا المجال اي مجال التصحيح اللغوي.. بعد مرور شهر كامل على العمل لم تسلم راتبي وعند سؤالي صاحب الجريدة قال لي انك تحت التجربة وستمضي شهرا آخر تحت التجربة لذلك فانت لاتستحق الراتب الان.. بحثت عن عمل اخر وهذه المرة كانت المحطة جريدة الشعب حيث هذه المرة عملت محررا صحفيا وانجزت الكثير من التقارير والحوارات الصحفية برفقة المصور حازم باك.. اذكر من الصحفيين ايضا في جريدة الشعب.حافظ القباني.. حميد رشيد.. منير رزق.. محسن حسين، وكان هناك ملحق اسبوعي يصدر عن الجريدة كان رئيس تحريره الشاعر بدر شاكر السياب.. في تلك الاجواء كانت خطواتي الاولى.. في العام1957 انتقلت للعمل في جريدة البلاد.. وحدثت حادثة مازلت اذكرها.. اقيمت في هذه السنة مناورات عسكرية في الرمادي بحضور الملك ونوري السعيد وجميع اركان الحكم، وكلفت حينها من قبل الجريدة بتغطية المناورات وفجأة ونحن على مقربة من الملك والقادة العسكريين بدأت القذائف تقترب منا شيئا فشيئا.. تم اخلاء المكان بسرعة وتوقف القصف وتبين بعد ذلك ان هذه الحادثة كانت محاولة للقضاء على الملك واركان حكمه.
* نحن نقترب الان من ثورة 14 تموزاوصف لي شعورك اثناء تلك اللحظات؟
- ثورة 14 تموز كانت حدثاً هائلاً بالنسبة لجيلنا كنا مابين مصدق ومكذب بالنسبة لذلك الوقت والامور تؤخذ باجوائها لم يكن احد يتصور ان زوال النظام الملكي.. كانت الثورة مهيئا لها جيدا وفي ظاهرها كانت حركة عسكرية انقلابية ولكن في جوهرها هي ثورة بكل المقاييس وما ان اذيع البيان الاول حتى هبت الجماهير مؤيدة للثورة.. وحينها خرجنا على غير هدى وجبنا الشوارع وصولا الى قصر الزهور..في ليلة الثورة كنا في مقر جريدة البلاد انا ومحرر الاخبار السياسية صالح سليمان والخطاط الشاعر صادق الصائغ خرجنا من الجريدة في ساعة متأخرة من الليل وكانت الاجواء طبيعية جدا وبغداد تغط في السكون وصلت الى البيت وغلبني النوم وفي وقت مبكر صحوت على اصوات الجماهير واصوات اصدقائي الذين بشروني بقيام الثورة، كما قلت لك لم نكن مصدقين ماحدث، الاجواء المتوترة آنذاك وخوف الجماهير والانباء المتضاربة حول مصير نوري السعيد واركان الحكم الملكي كانت اجواء مشحونة حقا ممزوجة بالفرح والقلق.
* متى سافرت أول مرة خارج العراق؟
- في العام1959 واثناء عملي في جريدة البلاد مرت الذكرى العاشرة للثورة الصينية وبهذه المناسبة وجهت دعوات لبعض الوفود العراقية وكان اسمي ضمن هذا الوفد، كان عمري آنذاك عشرين عاما.. كانت سفرة خرافية بالنسبة لي وانا قبل ذلك لم اغادر العراق. والصين بلد عجيب يمتاز بالكثير من الاشياء المثيرة والغريبة وبالرغم من انها تحسب على البلاد الشرقية لكن الصين تختلف اختلافا كليا عن باقي البلدان بكل التفاصيل.. وايضا حينها كان للصين الشعبية وقع خاص والهالة المحيطة بها كونها تدعم حركات التحرر في العالم، تمت دعوتنا الى قصر الشعب ضمن احتفالية بهذه المناسبة وكان حاضراً في الحفل الزعيم السوفييتي خروتشوف والزعيم الصيني ماو فكانت مناسبة جيدة في حينها ان تشاهد هولاء القادة عن كثب.. وشاهدنا اماكن عديدة وسور الصين العظيم واماكن اغرب من الخيال كانت هذه سفرتي الاولى.
* ماذا عن تجربة جيكسلوفاكيا؟
- سبقني في هذه التجربة صديقي صادق الصائغ في العام1959 حينها طلبت الاذاعة العربية في براغ شخصا يجيد اللغة العربية ومحررا جيدا للاخبار السياسية فوقع الاختيار على صادق الصائغ. بعد مرور سنة تمت مفاتحته على اختيار شخص اخر فتم ترشيحي واذكر حينها تم افتتاح اول خط للخطوط الجوية بين براغ وبغداد وعادة في هكذا مناسبات تتم دعوة وفود عدة، من بين هذه الوفود والشخصيات رئيس القسم العربي في اذاعة براغ الذي كانت لديه فكرة عني وفاتحني بالموضوع وقبلت على شرط اكمال دراستي هناك.. وسافرت وبقيت في الاذاعة منذ العام1960 الى1982 في اثناء هذه الفترة اكملت دراستي وعملت باعمال عدة وتزوجت وكونت عائلة.. انا بصراحة لم يكن في نيتي البقاء طوال هذه الفترة لكن انقلاب1963 في العراق واعتقال وسجن وتعذيب وقتل اغلب اصدقائي جعلني اعيد حساباتي في العودة.
* متى كانت العودة؟
- عدت الى العراق العام1982 ولم تكن عودة نهائية توجهت مباشرة الى شمال العراق حينها بدأت عمليات انصار الحزب الشيوعي العراقي بالتعاون مع قوات البيشمركة ضد نظام البعث..عدت للعمل بشكل اساس في الاذاعة والجريدة التي كان يصدرها الحزب امضيت في الانصار نحو ست سنوات بعدها تم قصف المنطقة بالغازات السامة فلم يبق احد حيث توجه الجميع الى الحدود التركية الايرانية وقصة هذه الرحلة لايمكن اختصارها وانما يجب ان يفرد لها فصل كامل.. فترة السنين الست كانت فترة قاسية وصعبة جدا، حياة حرمان وعزلة كانت شديدة القسوة.. عدت بعدها الى براغ وعملت مترجما في السفارة الليبية ومراسلا لجريدة الحياة اللندنية ومن ثم توجهت الى البوسنة والهرسك كمراسل حربي والتجربة مع الانصار افادتني كثيرا في عمل المراسل الحربي حيث كنت قد تعودت على هذه الاجواء.. في سنة1991 عدت الى العراق مرة اخرى بعد ان حضرت مؤتمرا للمعارضة العراقية في بيروت دخلت الى كردستان برفقة مام جلال.. وتم الهجوم من قبل قوات الجيش على المناطق الشمالية وحدث النزوح الهائل والمرعب من هذه المناطق وقتها كتبت تقريرا لجريدة الحياة وكان تقريرا مهما يصف الاحوال الانسانية المروعة والبائسة للنازحين..عدت مرة اخرى في العام1993 لحضور المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي الذي اقيم في شقلاوة ورشحت وانتخبت عضوا في اللجنة المركزية. حينها عدت نهائيا الى العراق بعد ان انهيت كل ارتباط لي في براغ وبقيت طيلة الفترة الممتدة من1993 الى2003 في شقلاوة وضمن العمل الاعلامي. بعد سقوط النظام توجهت مباشرة الى بغداد واصدرنا جريدة طريق الشعب وكانت اول جريدة تصدر في بغداد بعد سقوط النظام واستمر العمل الى نهاية شهر آب حيث اصبحت وزيرا للثقافة في حكومتين.. ومن ثم عضوا في الجمعية الوطنية مرشحا عن قائمة اتحاد الشعب ورشحت مرة اخرى لعضوية البرلمان.. وعدت الان بعد انتهاء فترة عضويتي البرلمانية الى العمل في جريدة طريق الشعب.
* مع كل هذا الهدوءالذي تتمتع به ما الذي يمكن ان يثيرك ويجعلك تبتعد عن هدوئك؟
- اكيد في هذه الحالة ان للعمر احكامه والانسان يتمتع بالهدوء بعد ان يجتاز مرحلة الشباب.. الاستثارة تأتي عادة من الانفعالات والانقياد لمشاعر الفرح والغضب والعواطف شيء طبيعي، ان الانسان لايمكن ان يتخلص من هذه الاشياء مهما بلغ من العمر ولكن هل التعبير عنها هو التعبير نفسه بعمر الشباب.. صحيح انا غير معروف عني ان استثار بسهولة ولكن في بعض الاحيان قد يخرج الانسان عما هو معروف به.. انا اسعى دائما ان اسيطر على مشاعري وانفعالاتي وحقيقة الامرهذه الحالة هي تمرين للنفس. الانسان بمرور الزمن يمرن نفسه على كيفية التحكم بمشاعره.. وهناك شيء آخر، الموقف من الحياة يؤثر ايضا فحين تأخذ الامور بهدوء وتأمل وتكتشف بمرور الزمن ان القضايا لاتفهم الا ان تؤخذ بروية وبفكر وتأمل لجميع الجوانب وان ليس للاشياء وجه واحد وانما وجوه عدة وبالتالي الاستعجال باطلاق الاحكام غالبا ماتكون عاقبته سيئة.. هذه الاشياء شيئا فشيئا تصبح جزءاً من الانسان وطريقة تعامله مع الاشياء وتصبح من ضمن سلوكياته فيصبح يتحكم اكثر بمشاعره وانفعالاته.
* هل انت من الاشخاص الذين يمتلكون مقبرة لاخطاء الاصدقاء؟
- تكاد تكون من اكبر المقابر، انا اعرف اشياء كثيرة ولا اعتقد ان احدا يعرفها غيري وهناك امور كثيرة وخاصة تخص الاخرين ولكن حين اتحدث عن اي شخص لا اتحدث الا بالخير وحتى ان كان اخطأ بحقي، الخطأ شيء عادي ولايوجد انسان لايخطىء وانا نفسي اعرف كم اخطئ فلماذا خطأي يغتفر واخطاء الآخرين لاتغتفر.
* من هو خازن اسرارك؟
- منذ فترة طويلة اعيش وحيدا اجتماعيا منذ وقت مبكر افترقت عن زوجتي وانصرفت للعمل الحزبي والسياسي من الممكن عندما يتقدم العمر بالانسان قد يفكر بهذا الشيء الانسان حين يكرس كل وقته وجهده لعمل ما قد يشعر بعد فترة انه اهمل جانبا مهماً في حياته. الان بدأت اشعر انني بحاجة الى صديق اتكأ عليه، خاصة حين تشعر ان العمر بدأ يتقدم وانت على اولى خطوات التقاعد فما عاد من المقبول ولا من المستساخ ان تعيش وحيدا، خاصة حينما تكون مشغولا بشيء قد ملك كل وقتك وجهدك وفجأة تخرج عن هذا الشيء وتجد نفسك وحيدا.
* يقال ان بالوردة والابتسامة تستقيم الامور، ماذا تعني لك الابتسامة؟
- بمعنى من المعاني هي مغزى الحياة وانا لا اعرف ان اعيش دون الابتسامة وانا عادة ما اكتشف نفسي انني انسان مبتسم واصبحت الابتسامة جزءاً من حياتي وهذا ليس معناه انني لست جديا لكن لا اشعر بالراحة ان لم اجد نفسي مبتسما وارى الناس من حولي مبتسمين واحاول دائما ان ادفع الامور باتجاه الابتسامة وعموماً تعاملي مبني على الود والفرح. انا شخصيا متفائل بطبعي.
* لمن تهدي هذه الوردة والابتسامة؟
- الناس الذين احبهم كثيرون ويمكن سيصعب علي في يوم من الايام ان امنح حبي لشخص واحد وانا اعتقد ان الاشخاص الذين يستحقون ان اهديهم وردة وابتسامة كثيرون واتمنى ان امتلك حديقة ورود كبيرة كي اهدي لكل شخص وردة.
 

محسن ابراهيم