اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 طيور السوء
 صفقة الخيانة
 السر لم يظل سراً!
 فارس الاحلام يأتي متأخراً
 بعد مرور22 عاماً على سقوطها.. ننفرد بكشف اسرار سقوط الطائرة الكورية!!كيف نفذت العملية من قبل الارهابية الحسناء..؟

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

من ملفات الشرطة
 
موعد مع الرصاصة الطائشة!

يعد مصرع المرحوم عبد الوهاب درويش قنصل العراق في تبريز في عام 1941، من أغرب حوادث القتل التي تعرض لها دبلوماسي عراقي في الخارج، ومن أكثرها غموضا وإثارة، وان كانت الحادثة مؤسفة ومؤلمة لأنها جاءت في ظروف قاسية وحظ عاثر..

كانت الحرب العالمية الثانية في أوج أشدها عنفا وفتكا في مدينة تبريز بايران، وعندما تردد بين الناس بأن الجيش السوفيتي سيدخل المدينة النائية في شمال ايران شعر الجميع بقسوة المعارك والمصير المحتوم الذي سوف يلاقيه الناس هناك.

وكان في مدينة تبريز عدد قليل من القنصليات من بينها القنصلية الانكليزية والفرنسية والتركية، وكان للعراق آنذاك قنصلية أيضا فيها، وكان القنصل البريطاني، بسبب قدمه بمثابة العميد للسلك القنصلي الصغير المتواجد في المدينة.

وكان المرحوم عبد الوهاب درويش هو القنصل العراقي العربي الوحيد في المدينة، وفي صباح يوم 25 آب 1941 زار عبد الوهاب القنصل البريطاني وتحدث معه في الأحوال السائدة في المدينة بعد دخول القوات السوفيتية ثم زار القنصل التركي، ولكنه لم يمكث عنده سوى سويعات قصيرة جدا، فقد اقترح عليه القنصل التركي ان يبقى عنده ذلك اليوم، او يسرع في الرجوع الى قنصليته، لأن الجيش السوفيتي على أبواب المدينة وقد يدخلها بعد ساعات واذا دخلها فمن المحتمل ان تقع حوادث واضطرابات وسفك دماء، فضلا عن ذلك ان القنابل كانت تلقى من قبل القوات الروسية على المدينة وشوارعها منذ يومين، مما جعل السير في الشوارع خطرا جدا، وبالرغم من ان عبد الوهاب درويش كان بمفرده في تبريز وكانت عائلته في بغداد فقد فضل العودة الى قنصليته خوفا من اندلاع العنف والقتل.

وفي الساعة الثانية من بعد ظهر نفس اليوم دخلت القوات السوفيتية المدينة وقد سبقت هذه القوات مفرزة حماية لتطهير ما يحتمل وجوده من قوة ايرانية نظامية او غير نظامية قد تباغت الجيش أثناء مسيره في شوارع المدينة وقد تستخدم القنابل اليدوية او رشقات البنادق ضد القوة في مسيرها من الشوارع او البيوت. وتقدمت هذه المفرزة لاحتلال ثكنة للجيش الايراني تقع في شارع شاهبور الذي كانت تقع فيه بناية القنصلية العراقية. وعندما وصلت القوة الشارع انشطرت الى نصفين، سار كل منهما على أحد رصيفي الشارع بمواجهة الأبنية والرصيف الآخر، وعندما وصلت الى منتصف الشارع أطلقت عليها عيارات نارية من بعض أفراد الجيش الإيراني المتواجد في أحد البيوت، فأخذت المفرزة تقابلهم بالمثل، فساد الذعر والخوف في الشارع، وهرع الناس الى بيوتهم خوفا من اطلاق النار وبعد فترة خلت الشوارع من المارة، ومن بين الذين سادهم الذعر والخوف حراس القنصلية العراقية والذين كانوا من الايرانيين فتركوا مبنى القنصلية وولوا الأدبار، بعد ان خلعوا ملابسهم الرسمية الخاصة بالقنصلية وارتدوا ملابس مدنية ممزقة وبالية، خوفا من ان يشتبه بهم أفراد وجنود الجيش السوفيتي فيحسبونهم من أفراد الجيش الايراني.

وعلى اثر دخول الجيش السوفيتي، والأحداث الخطيرة التي وقعت في المدينة واطلاق النار الذي استمر عدة ساعات ما بين الجيش الايراني والسوفيتي والذعر الذي ساد المدينة، اقترح القنصل البريطاني ان تتخذ بعض الاجراءات الامنية لحماية دور القنصليات، فخصصت القوات السوفيتية أربعة جنود مسلحين لحماية وحراسة كل قنصلية. وفي مساء ذلك اليوم مر القنصل البريطاني بالقنصليات الموجودة في تبريز، ليخبر زملاءه بأن الأمور أصبحت آمنة وان القنصليات يحرسها جنود ولم يعد هناك ما يدعو الى الخوف او القلق، وعندما وصل الى دار القنصلية العراقية وجد بابها مغلقا، فظن ان القنصل عبد الوهاب قد خرج بأمر ما، فعاد أدراجه الى قنصليته.

وفي صبيحة 26 آب أخبر أحد حراس القنصلية مرتيدا ملابسا ممزقة ومهلهلة التاجر العراقي الوحيد المقيم في تبريز (جمال جمالة) وهو من اهالي الحلة بأن القنصل عبد الوهاب يطلب حضوره، وقد حضر التاجر العراقي مسرعا الى دار القنصلية وكان الفراشون قد سبقوه وفتحوا أبوابها، ولما دخل قاعة القنصلية، صعق في مكانه فقد كان القنصل عبد الوهاب درويش ملقى على ظهره جثة هامدة وبالقرب من النافذة، وقدماه في اتجاه الشارع، فاستدار التاجر جمال وهرع على الفور ليبلغ القنصل البريطاني بما رأى، ثم ذهب الاثنان الى القنصل العام التركي، فأخذاه معهما وذهبوا جميعا الى القيادة الروسية وأخبروها بالحادث.

اهتمت القيادة الروسية اهتماما كبيرا خشيت ان يستغله ضدهم دهاة ومؤيدو المحور او غيرهم من أعدائها. وأرسلت القيادة الى القنصلية العراقية مع التاجر العراقي جمال ضابطاً روسياً وطبيباً لفحص الجثة وتثبيت شهادة الوفاة.

أثارت وفاة القنصل العراقي الغامضة تساؤلات عديدة وتفسيرات غير مؤكدة عن أسباب مقتله ومن جملة هذه التفسيرات ان القنصل العراقي عبد الوهاب درويش كان واقفا في نافذة غرفته وأراد من ذلك مشاهدة تقدم القوة السوفيتية التي كانت تمر بشارع القنصلية، وشاءت الصدفة ان يطل القنصل من النافذة في اللحظة التي جرى فيها تبادل إطلاق النار بين المفرزة السوفيتية وأفراد الجيش الايراني، وتشاء الصدفة أيضا ان تصيب القنصل إطلاقة طائشة في صدره من مجموع ست إطلاقات شوهدت آثارها على نوافذ الغرفة فتودي هذه الإطلاقة بحياته على الفور، اذ سقط على الأرض صريعا بعد اصابته ولم يكن يدل على تحركه من مكانه.

وكان عبد الوهاب درويش يومذاك في الثالثة والأربعين من عمره، وقد ترك وراءه زوجة شابة وطفلين أكبرهما في السابعة من عمره، وكان موظفا قديما من موظفي وزارة الخارجية، وقد خدم في الجيش العثماني فترة قصيرة، ثم أصبح معلما في مدرسة ابتدائية في قضاء أبي الخصيب في البصرة وتدرج بجده وطموحه في وظائف الدولة مواصلا دراسته في الكلية حتى نال شهادة البكالوريوس في الحقوق وبعدها عين في وزارة الخارجية في سنة 1933 وتنقل في قنصليات العراق في بيروت والقدس وفي المدن الايرانية وأصبح قائما بالأعمال في طهران، حتى نقل الى تبريز في سنة 1940 لأنه كان على موعد مع تلك الرصاصة الطائشة.

اهتم القنصل التركي بتهيئة مراسيم الدفن والتشييع وفق الشعائر الاسلامية. وجرى للمرحوم عبد الوهاب تشييع مهيب باحتفال لائق شاركت فيه القوة السوفيتية حيث أخرجت فصيلا من الجيش في تشييع الجثمان عندما علمت بأن المرحوم عبد الوهاب كان ضابطا سابقا، وقد خرجت الجنازة ملفوفة بالعلم العراقي تحملها عربة مدفع، وسار وراءها القناصل وعدد من الإيرانيين والأجانب، ولم يكن بينهم سوى عراقي واحد هو التاجر العراقي (جمال جمالة)، وشيع عبد الوهاب درويش ودفن في مقبرة بتبريز بعيدا عن أهله ووطنه وترحم عليه اصدقاؤه وزملاؤه في بغداد، وتحدثوا عنه بضعة أيام ثم طواه النسيان، ولم تبق من ذكراه سوى اضبارة عتيقة وأوراق التحقيق البالية التي حفظت في درج وزارة الخارجية، ولم يعرف من هو الذي قتل عبد الوهاب درويش.

د. معتز محيي عبد الحميد