اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 طيور السوء
 موعد مع الرصاصة الطائشة!
 صفقة الخيانة
 السر لم يظل سراً!
 بعد مرور22 عاماً على سقوطها.. ننفرد بكشف اسرار سقوط الطائرة الكورية!!كيف نفذت العملية من قبل الارهابية الحسناء..؟

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

من ملفات الشرطة
 
فارس الاحلام يأتي متأخراً
فارس الاحلام يأتي متأخراً
ضغطت على شفتي وأنا اتأمل وجه الزوجة، وقد جلست قبالتي في المكتب، مطأطأة الرأس، ما اشبهها بامرأة خارجة من القبر لتوها، عينان غائرتان في محجريهما، وجه غطته التجاعيد، وعلاه شحوب الموتى، رغم انها في ربيع عمرها تبدو وكأنها في الستين من العمر، توجهت اليها بالكلام:
- مابك سيدتي هكذا حزينة، كاسفة البال، وكأن هموم الدنيا كلها قد كدست فوق رأسك؟
- فرفعت رأسها واتجهت نحوي وقالت:
- أية مصيبة أعظم من مصيبتي بين نساء العالم كلهن يا سيدي الكريم، أعترف امامك ان الله يعاقبني لأنني ما رضيت باختياره بل اخترت لنفسي، وشتان ما بين اختيار الله للانسان واختيار الانسان لنفسه، أريد ان تعرف الحقيقة كاملة، وهذاما حصل لي حقاً، وقصتي بدأت عندما شعرت ان سنوات عمري التي تخطت الثلاثين كانت تنتظر ابن الحلال، مرت بسرعة ورفيق الليالي والايام اين هو؟ الشهادة الكبيرة كما يقولون حصلت عليها وظيفة مرموقة توليتها، راتب كبير وثابت يصلني كل شهر، أب يستعد للتجاوب وتقديم يد العون، أم تدعو ليلاً ونهاراً بأن يرزقني بمن أركن اليه واهنأ معه، ما السبيل اليه؟!.. اصادفهم كثيراً، احادثهم، أمازحهم، ينتهي اللقاء من دون ارتباط، الشك يتسرب الى نفسي.. أنا السبب.. عاطلة من شيء ما يمنعهم من الاقتراب والتواصل، يحجمون عن التقدم، يأبون الالتزام بتحقيق وعد ادم لحواء!! اتوق الى أنفاسهم، سأكون كاذبة ان لم اعترف اني اصبحت تلك المرأة التي تطالب بحقها، وتنتظر من يتسلق حصونها ويرفع رايته معلناً انها مملكته ولا يجوز الاقتراب منها، كل همي كان الارتباط بزوج، ارتداء فستان الزفاف الابيض، موسيقى الزفاف تصدح، الاب الحزين والام المسكينة يشهدان الحدث تسبقهما السعادة، كلمات ابي وهو يحدث امي منذ ايام مازالت تدوي في أذني (اخاف ان يهاجمني الموت وأترك سعادة من دون زواج) تجيبه أمي: لاتخف عليها.. انها متعلمة، تملك امر نفسها، ستجد نصيبها باذن الله، سيأتي العريس حتى باب الدار ليدفعه بقدمه ويدخل ويأخذها الى بيته..! ضحكت وأنا أبكي، بالله عليك يا أمي من سيأتي حتى الباب؟ شباب هذه الايام يرفضون العلاقات الرسمية وتكاليف الزواج والخطبة.. كل هذه الرسميات جعلتهم يحجمون عن دفع الباب بقدمهم وخطف العروسة لقضاء أيام العسل في عش الزوجية.
المعجزة حدثت يا سيدي، بعد سنوات الانتظار الطويلة، جاءني في حفل اقامته الدائرة بمناسبة قدوم مدير جديد لها، موظف جديد قدم نفسه بأنه –سعد- اكتفى باسمه فقط، لا أعرف ما الذي جعل قلبي يدق بعنف، خشيت ان يقتلع من مكانه يغادر صدري، بطريقة عفوية وضعت يدي عليه، امنعه من السقوط، وفي ابتسامة صافية سألته، أين تعمل يا سعد؟
الكلمات خرجت من بين شفتيه في تلقائية محببة (معك في نفس القسم) لقد التحقت اليوم بالوظيفة ووجدت الحفل هذا، فاعتبرتها فالاً طيباً لي ولك..
- كيف عرفتني؟ هكذا سألته.. أجاب ان الزملاء في المكتب اشاروا الى مكتبك ووصفوا مديرته وقالوا لي ان اسمها –سعاد- جميلة تحب العمل، ترفض الزواج لأنها تجد من يكافئها مكانة وعلماً وجمالاً!!
تلعثمت الكلمات بداخلي، أأنا من يتحدث عنها الموظفون الذين يعملون معي.. يقولون في غيابي هذه المعاني، أم انها مجاملة منه؟ يريد رفع معنوياتي التي كانت في الحضيض، سامحه الله ان كان يكذب، وأهلاً به على كل حال، تبدلت في لحظة، اعتراني شعور بأني مرغوبة، اتعالى على الجميع، لا أجد من يطاولني، فلماذا الابتئاس؟ الحقيقة قالها الموظف الشاب الجديد، أصبح عقلي مشحوناً بالافكار التي تدور بلا توقف، وتتحرك من دون هدى، لماذا سكت؟ أنهى ما عنده، مجاملته انتهت، كدت أجن، حاولت لفت انتباهه، متابعته للفقرات الفنية التي جذبته بعيداً عني.. اه لو تمكنت من تحطيم هذه الالات الموسيقية الحمقاء، وقتها كي اتمكن منه، ابادله الكمات اسمع منه، اتحدث اليه.. انه (الفارس) يا أمي الذي سيدفع الباب بقدمه.
فجأة اشتعلت النيران في يدي، تنبهت لأجده يربت عليها بيد حنون، ابتسامته سبقت كلماته وهو يؤكد انه ماض الى المائدة المليئة بالاطعمة والحلويات ليعد طبقاً لي قبل ان تقبل افواج الجياع لالتهامها، ضحكت.. سألته من –أفواج الجياع-.. قال: انهم زملاؤنا في المؤسسة!!
تركته يفعل أليس هو الفارس الذي سوف يقودني الى المرفأ عندها نلقي المرساة لننعم بالحياة..
مع قطع الحلوى دار الحديث بيننا، لم أتبين ماذا يقول.. كنت ابتسم فقط، أتأمله، اسرح مع خصلات شعره، اكتشف شعر صدره النافر، الوان ملابسه، أجتاز الامتحان بنجاح، ومن كانت في سني وفاتها القطار لا يحق لها الاختيار..! أقبلت عليه كما اقبل، تقبلته، أعطيته الأمان وسط كلماتي، صارحته بما يعتمل في داخلي، لم أعد أحتمل، الكبت يكاد يحطمني، يزلزلني، خشيت ان تنهار دفاعاتي، فليرحل اذن الان قبل فوات الاوان، أطرق برأسه الى الارض، عندما رفع رأسه كانت هناك دمعه توشك ان تنحدر من عينيه، عجبت لهذا التطور المفاجئ، أخبرني انه تربى في بيت عمه، توفي والده ووالدته في حادث سقوط صارخ على بيتهم اثناء الحرب العراقية-الايرانية، لم يتركا سواه، كلفه العم ومنذ صغره وهو يعده لأبنته، لذا لم يجد أمامه فرصة للفرار، رد الجميل واجب، تزوج امرأة لا يربطه بها سوى ورقة حررها قاضي المحكمة الشرعية، مشاعره ليست ملكه، لا يعرف سبباً واحداً لرفضه اياها، لكنها المشيئة الالهية، لن يغضبها ويعصي العم.
وقتها تمنيت لو أطبقت السماء على الأرض، انتهى املي تلاشى، اخذ يخبو حتى صار قزماً لا تراه العين، اطرقت لا أعرف كم مضى وأنا هكذا؟ ربت على كتفي، بثني غرامه، سمعته يقول –عندي حل- انتعش الأمل الذي مات.. قال: سنتزوج ونعقد عند السيد..
سألته: أليس هذا حراماً ويخالف الشرع.. نفى ذلك وأكد انها لفترة زمنية يتمكن فيها من اطلاع زوجته على الأمر، يعلن بعدها للدنيا كلها انه اقترن بحبيبته التي انتظرها طويلاً وجاء الدنيا من أجلها، صدقته، وهل كنت أملك سوى هذا؟!
أيام مضت وكنا في شقة أجرها لنا لنقضي ساعات اللذة المحمومة.. لم يدفع الباب بقدمه، أمي لم تره، أبي لم يقدم له المساعدة والعون، اشترط عليّ الا ابلغ أحداً، وافقته على كل ما أراد وارتميت بين احضانه، نسيت الاهل، أعطيته واعطاني، مدخراتي العاطفية فاز بها، رويت حرماني وحرمانه، كنت الام والزوجة والحبيبة والعشيقة، قال انه لم يعش قبل زواجي منه، طالبته باعلان زواجنا، وعدني ان ذلك سيتم في الوقت المناسب، تمضي الايام لتحدث مفاجأة اخرى تحرك المياه الساكنة في أسرتي، جاء من يدفع الباب بقدمه، عراقي عاش سنوات طويلة في الخارج، عاد ليخطف ابنة الحلال على حصانه الابيض ويعود الى بلاد العم سام.. أمي اشترطت عليه ان يستقر في العراق بصفة نهائية، الغريب.. وافق!.. أين كنت أيها -الفارس- من قبل؟ انتظرتك طويلاً، تأخرت حتى تزوجت من دون زفاف ولا حفل، لم أرتد الفستان الابيض وأجلس في سيارة الزفة وأطوف فيها بشوارع بغداد..
جلسة شاعرية أعددتها حضارة بابل شاهدة علينا، برج بابل الشامخ يرقب لقاءنا، الهواء النقي يملأ المكان ويثير في النفس سعادة خفية، حدثته في أمر العريس القادم لي، طلبت منه ان يتقدم كي امهد له الجو.. وسيجد الجميع في انتظاره، رفض وهدد بتمزيق عقد الزواج الذي عقدناه عند السيد، طلبت منه ان يتركني كي اتزوج الغريب القادم من أمريكا، هاج وماج وأعلن انه سوف يقتلني اذا اقدمت على ذلك لا أعرف ماذا فعلت بعدها.. أمسكت برأس تمثال كان موضوعاً على الطاولة، انهلت عليه به وحطمت رأسه ووقفت أصرخ وأبكي.. لقد قتلت الزوج والحبيب والعشيق.. في مركز الشرطة تم اطلاق سراحي بكفالة.. أنا أمامك يا سيدي انتظر توكيلك في قضيتي التي فاحت وعرفها الناس جميعاً!!


معتز محيي عبد الحميد