اقرأ في هذا العدد
 
 




من ملفات الشرطة
 
من أجل فراش دافئ!

وجد الرجل المسن.. عبد الغفور مصاباً في رأسه بآلة حادة.. وعندما نقله ابنه طالب الى المستشفى فارق الحياة بعد ساعات متأثراً باصابته الشديدة.. وقد بدأت الشرطة بالتحقيق بالحادث واشتبهت بزوجته وابنها.. ولكنها لم تجد الدليل على إدانتهما في هذه القضية الغامضة.. حيث وصلت الشرطة الى طريق مسدود ما أضطر ضابط المركز الى الاجتماع مع ضباط التحقيق لحل لغز هذه القضية.. وطلب من ضابط التحقيق دراسة الظروف والملابسات المتعلقة بحياة المجني عليه.. حيث ظهرت معلومات جديدة تلقي الريبة والشك على الزوجة مرة أخرى.. فقد كان هناك خلاف بينها وبين زوجها عندما رفض ان ينقل ملكية الدار الى ابنها.. بينما كانت زوجته تصر على ذلك حتى لا يشارك ابنها في ملكية الدار أبناء زوجها من زوجته الاولى.. والذين كانوا يعملون في وظائف حكومية.. بينما كان أبنها في المراحل الاولى من دراسته في الكلية.. وكانت الزوجة تطمح في ان تؤمن لابنها مستقبله في حالة وفاة والده.
ورغم توفر هذا الدافع لم يكن هناك ما يدين الزوجة.. فقد شهد الكثيرون بانها كانت بالمحل طوال فترة الصباح ولم تغادره على الاطلاق.. وهكذا ضاقت الدائرة واغلقت كل السبل لالقاء أي ضوء على هذا الحادث الغامض.
في غرفة ضابط مركز القاهرة جلس الضابط مع المحققين المتمرسين بالتحقيق يناقشون هذه القضية الغامضة.. وظلوا يضربون أخماساً بأسداس.. فكلما اتجهوا في طريق وصلوا الى نهاية مسدودة ليعودوا مرة أخرى الى نقطة البداية او يدوروا في حلقة مفرغة.
وفي النهاية أقترح ضابط المركز على القائم بالتحقيق ان يتوجه مرة أخرى الى مسكن المجني عليه ليجري عملية فحص ومعاينة مستفيضة لكل ما في البيت.. فمن البديهيات التي يسلم بما المحققون أن مسرح الجريمة يضم كل اسرارها.. وان على المحقق الجيد ان يبحث عن تلك الاسرار.
قضى ضابط التحقيق ومعاونه ساعات وساعات يفحصان كل صغيرة وكبيرة في البيت.. حتى عثر احدهما على صورة فوتوغرافية لعبد الغفور الزوج القتيل وعندما نظر اليها الضابط أسترعى أنتباهه شيء غريب.. فقد وجد الصورة مثقوبة بدبوس أو ابرة قبالة العينين.. وكأن أحداً يريد ان ينتقم منه بفقء عينيه.. ولما جمع الضابط بقية الصور للقتيل وجدها جميعها قد ثقبت بنفس الاسلوب.
لم يحتج الامر من ضابط التحقيق الى الكثير من التفكير.. فهذه الظاهرة تؤكد ان الجاني يكن كراهية شديدة للزوج القتيل ولم يجد متنفساً لمشاعر الكراهية سوى فقء عيني هذه الصورة.. وتاكد ايضا لضابط التحقيق انه لابد من أن هناك شخصاً آخر يدخل البيت وتربطه صلة بصورة أو بأخرى بهذه الأسرة، ومن المستبعد ان تكون الزوجة او الابن هما اللذان قاما بهذا الفعل.. بل لابد من ان هناك شخصا ذا نفسية مريضة وحاقدة دفعه حقده الى تشويه صورة القتيل والتنفيس عن مشاعر الكراهية المكبوتة في صدره تجاه الزوج لعجزه عن الانتقام منه.
ولابد من ان هذا الشخص هو الذي قتله في النهاية، عندما تداول ضابطا التحقيق في هذه الحقائق استطاعا ان يجدا ارتباطا بينها وبين حقيقة أكدها تقرير الطب العدلي.. وهي أن الزوج القتيل قتل من ضربة واحدة بالرأس لم يكررها القاتل.. إذن فالقاتل لم يكن من معتادي الاجرام فالمجرمون المحترفون يوجهون أكثر من ضربة ليضمنوا تماما تنفيذ جريمتهم.. اما من يوجه ضربة واحدة فانه عادة انسان متردد جمع شتات شجاعته ليوجه ضربة واحدة ثم يفر بعدها.. ولكن في هذه الحالة كانت الضربة الوحيدة.. كافية لازهاق روح الزوج المسن!.
أعيدت مناقشة الزوجة والابن حول اسلوب حياتهما وحول كل ظروف الحياة التي تعيشها الاسرة.. واستمرت هذه المناقشة ساعات في صبرواناة.. وكان لهذه المناقشة ثمرتها عندما جاء على لساني الزوجة والابن ان حدثا صغيراً لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة كان يعمل في محل الخضراوات.. وقد الحقته الزوجة بالعمل لديهم في المحل رأفة به لانه يتيم الوالدين.. وقد حظي بعناية وعطف الزوجة التي كان يرى فيها عوضاً عن والدته التي توفيت في حادث تفجير سيارة مفخخة.. في الوقت الذي كان الزوج يرى فيه عبئاً على مصاريف المحل ولا يجد مبرراً لوجوده.. فطرده من المحل قبل حوالي عام من الحادث.
وكان قد طرد أثر مشاجرة بين الزوجة وزوجها عبد الغفور عندما أصر الاخير على طرده بينما كانت الزوجة تصر على بقائه.
وكانت اقامته بالبيت مهددة.. اذ يبدو ان الزوج عبد الغفور كان قد شعر بوجوده ومبيته.. او بوجود شخص غريب في البيت.. فصارت الزوجة تأويه في المحل ليلا حيث تغلق عليه باب المحل عندما تغادره مساء ولذلك حرم من الفراش الدافئ ليقضي ليالي الشتاء القارس من دون غطاء.. يرتجف من برودة الليل التي كانت تتسلل من نافذة مكسورة في اعلى المحل.
أستدعى ضابط التحقيق الصبي كامل لمناقشته واستجوابه فوجده غلاما بائساً حزينا حرم من عطف الابوين.. وعرف ضابط التحقيق كيف يفك عقدة لسانه فدعاه الى تناول طعام الغداء معه.. بعد ان عرف منه أنه لم يذق الطعام منذ يومين.. وبعدما شاركه الطعام تطرق الضابط في حديثه معه.. الى ذكرى وفاة والدته.. فبكى الغلام اليتيم.. فمسح الضابط على رأسه محاولا تهدئته فانفجر بالبكاء.. وعندئذ طلب منه الضابط ان يفصح عما في نفسه.. فانهار الغلام واعترف بانه هو الذي قتل الحاج عبد الغفور.. لم يصدق الضابط في اول الامر ما سمعه كما أن هذا الاعتراف الشفوي لا يكفي وحده كدليل يؤيد اتهامه.. فتظاهر الضابط بانه لا يصدقه فانفعل كامل مؤكداً أن ما يقوله هو الحقيقة.. بل أرشد الضابط الى الالة الحديدية التي استخدمها في القتل والتي كان يخفيها تحت السلال في محل الخضراوات.. ووجدها ملوثة بالدماء وقال في افادته.. ان زوجة المجني عليه كانت تعطف عليه.. وانها كلفته في ذلك اليوم ببعض الحاجيات الضرورية للبيت فأنتهز هذه الفرصة ليتوجه الى البيت ويقتل الزوج القاسي الذي حرمه من الفراش الدافئ، واضاف في اعترافه انه أختار هذه الطريقة في ارتكاب جريمته تقليداً لما شاهده في فيلم اجنبي قد عرض على شاشة أحدى الفضائيات.. وقد عرض في الليلة السابقة للحادث.. والذي كان القاتل يختفي فيه أسفل سرير صاحب الفندق العجوز حتى تاكد من نومه فقام بضربه بقطعة من حديد على رأسه فمات في الحال.. وهذا ما فعله كامل، ولكن كان دافعه هو البحث عن فراش دافئ.. ولكن كانت جريمته سبباً في ان يقضي أياما في غرفة اصلاحية الاحداث في الاسكان.. حيث لا يوجد دفء ولا فراش وثير!!.

د.معتز محيي عبد الحميد