اقرأ في هذا العدد
 
 




من ملفات الشرطة
 
صراع الشك

جلس حسن الموظف الشاب خلف منضدته بدائرته الحكومية يستمع لآراء زملائه حول حادث بشع انتشر بين الناس مؤخراً عن جريمة قتل راح على أثرها ضحية زوج على يد زوجته وعشيقها!
قال أحد الموظفين:
- (الدنيا هواية تغيرت هذه الأيام.. ماكو أمان.. حتى النسوان تعلمن القتل!).
ورد آخر على تعليقه ساخرا:
- نساء يطالبن بالحقوق مع الرجل.. وأغلبهن ناقصات عقل ودين! والساقطة.. ساقطة..
وقاطعه أحد الموظفين في حدة..
- (يابه على كيفك.. مو كل أصابعك سوه.. الشريفة شريفة..).
- وتدخل ميل آخر لتهدئة هذا الجو المكهرب قائلا:
- (يا جماعة... احنا شعلينا بهذه الساقطة.. كل واحد يعرف زوجته زين!).. كان الحوار ساخنا بين الموظفين.. ولكن حسن لم يشارك فيه بكلمة واحدة.. انشغل بمطالعة جريدة كانت قد نشرت الحادثة بالتفاصيل.. كان حسن كلما قرأ كلمة اتسعت عيناه من الدهشة وانقبض قلبه خاصة ان شخصيات الجريمة وخاصة الزوجة القاتلة والزوج القتيل يشتركان معه ومع زوجته الشابة في الكثير من الملامح.. حتى خلافات الزوجة القاتلة مع زوجها القتيل والتي ذكرتها الجريدة كان بها الكثير من أوجه التشابه مع خلافات حسن وزوجته والتي اندلعت بينهما قبل أسابيع وكانت البداية اتهام زوجة معن لزوجها بالبخل! انتهى حسن من قراءة تفاصيل الجريمة ثم طوى الجريدة وجلس شارد الذهن وسؤال واحد يتردد في عقله.. هل من الممكن ان تكون نهايته مثل نهاية هذا الزوج على يد زوجته وعشيقها.. انتبه حسن للحظة لامن طرح هذا السؤال ولكن للكلمة الأخيرة فيه.. العشيق.. وقفز الى ذهنه سؤال آخر.. هل لزوجتي عشيق؟
الأفكار السود تلاحقت في رأس حسن والذي فشل في ابعادها تماما.. سيطرت على حسن حالة من الغضب وراحت صور خيالية تمر أمام عينيه عن خيانة زوجته له وسقوطها في حب رجل آخر غيره.. وتصاعدت الأحداث في رأس الموظف الشاب حتى تخيل ان زوجته وعشيقها الوهمي يخططان للتخلص منه حتى يخلو لهما الجو!.. لم يحتمل حسن هذا السيناريو المخيف.. قفز من مكانه وقرر ان يستأذن للانصراف بحجة شعوره بتعب مفاجئ.. وفي الحقيقة ان حسن ينوي الانطلاق الى بيته في زيونة لمباغتة زوجته وافساد خطتها وخطة عشيقها للتخلص منه.. كما صور له خياله المريض.. ركب حسن سيارة أجرة وطلب من سائقها التوجه الى عنوان بيته.. وفي الطريق ظل الموظف الشاب يرسم في خياله السيناريو تلو الآخر لما سوف يحدث عندما يواجه زوجته وعشيقها ويكشف مؤامرتهما عليه.. وتصاعدت الأحداث حتى تخيل حسن قيامه بالانتقام لشرفه المسلوب.. وذبح زوجته وعشيقها والفتك بهما.. ولكن.. عندما صعد حسن درج المشتمل الذي استأجره منذ بداية زواجه.. وجد سيناريو آخر مختلفا تماما.. في البداية اكتشف ان باب المشتمل مفتوح.. دخل حسن بخطوات حثيثة ليجد كل محتويات البيت الصغير مبعثرة بطريقة غريبة.. وقبل ان يخطو خطوة أخرى سمع أنات ضعيفة تأتي من غرفة النوم.. أطلق حسن لساقيه العنان واقتحم غرفة النوم ليجد زوجته ملقاة على الأرض سابحة في دمائها وقد انغرست سكينة صغيرة في كتفها الأيسر!.. الصدمة شلت تفكير الزوج الشاب للحظات ثم أطلق بعدها صرخات استغاثة جاءت بالجيران الى غرفة النوم.. وبعد وقت قصير حضرت دورية للنجدة لمشاهدة الحادث.. ثم أسرع الجيران بنقل الزوجة الى مستشفى الكندي وهي في حالة سيئة.. الزوجة الشابة بعدما انقذ الأطباء حياتها.. أكدت لضابط التحقيق انها خرجت من المشتمل لشراء بعض متطلبات المنزل من سوق قريب لبيتها.. وعندما عادت وجدت شخصاً غريباً يختفي في (كنتور) الملابس وهددها بسكين وطلب منها ان ترشده الى مكان حليها الذهبية والمبالغ النقدية التي عندها.. وأضافت الزوجة.. انها أرشدت اللص الى مكان الذهب وأعطته مبلغاً كان عندها مقداره (200) ألف دينار.. وبعد ان استولى اللص على المبلغ والذهب طعنها بالسكين فسقطت مغشيا عليها من الرعب والألم.. ولم تنس الزوجة ان تدلي بأوصاف اللص الذي كاد ينهي حياتها.. أربكت كل السيناريوهات التي ملأت رأس الموظف الشاب حسن عن خيانة زوجته له كما توهم.. جلس حسن غير مصدق لما جرى وظلت الأوهام تطارده وتشكك في رواية زوجته.. قال الموظف الشاب في نفسه: - ربما اختلفت زوجته وعشيقها فطعنها واستولى على ذهبها وهرب.. من يستطيع ان يؤكد وجود لص بالفعل في غرفة النوم؟ الارتباك الذي ظهر على الزوج دفع رجال الشرطة لتوجيه أصابع الاتهام اليه ولو من بعيد.. سأله أحد ضباط التحقيق سؤالا واحدا..
- ما سر عودتك من دائرتك في هذا اليوم.. وقبل ساعتين من موعد انتهاء الدوام؟ حاول حسن التهرب من الاجابة.. ثم قال انه شعر بتعب مفاجئ.. ولكن هذه الحجة لم تنطل على ضابط التحقيق المتمرس.. وبعد دقائق انهار حسن باكيا أمامه وروى له كل الأفكار السود التي ملأت عقله وشكه في زوجته!.. أصيب ضابط التحقيق بالدهشة عندما أخذ يستمع الى سيناريو الوهم الذي تخيله حسن في نفسه لمجرد انه قرأ عن جريمة قتل باحدى الجرائد.. وأخيرا اكتشف ضابط التحقيق انه أمام رجل مريض بالشك الذي قد يدمر حياته تماما.. وبعد دقائق وصل لضابط التحقيق نداء من شرطة النجدة يفيد بأنه تم القبض على اللص أثناء تجواله في المنطقة.. عندها اقترب الضابط من الزوج وربت على كتفه قائلا بابتسامة:
- (أخوية حسن.. أطرد الأفكار السودة من راسك.. النجدة قبضت على الحرامي الذي حاول قتل زوجتك وسرقة حليها الذهبية..!).
اعترف اللص بكل شيء أمام ضابط التحقيق.. وكان أهم شيء حاول حسن معرفته هل توجد علاقة بين اللص وزوجته.. وانكر اللص معرفته بالزوجة مشيرا الى انه يعمل في جمع المواد المستعملة (عتاك) يتجول في الشوارع والأزقة لشرائها ويقود عربته أثناء ذلك.. وقد اختار ضحيته بعد ان راقب المشتمل عدة أيام وعرف ان الزوج يغادر صباحا الى عمله والزوجة تغادر البيت لشراء بعض حاجيات المنزل.. ولكن الوقت لم يسعفه لانهاء مهمته دون ان ينكشف أمره.. وفوجئ بالزوجة تعود فجأة بعد ان نسيت نقود الشراء.. فاختبأ في الدولاب (الكنتور).. ولكنه خاف افتضاح أمره فخرج وطعنها بالسكين واستولى على الذهب والدنانير الموجودة في الغرفة..
أحيل اللص الى محكمة جنايات الرصافة وقضت بحبسه لمدة خمس سنوات لارتكابه جريمة السرقة المقترنة بالشروع في القتل.. ليخرج الموظف من قاعة المحكمة ويهرول خلف ضابط التحقيق يستوقفه بابتسامة خجولة على شفتيه قائلا: - أرجوك أخي.. ان تظل حكاية الشك بزوجتي سرا بيننا.. ربنا أمرنا بالستر!!
د.معتز محيي عبد الحميد