اقرأ في هذا العدد
 
 




من ملفات الشرطة
 
سر السيارة التي اسقطت في نهر دجلة

وقف الشرطي التابع لمديرية مكافحة سرقة السيارات في مكان ما من شارع أبي نؤاس، شارع المقاهي والبارات والحدائق المزدحمة بالعوائل والشباب، وظل ساعات وساعات مختبئاً خلف جدران إحدى العمارات الخالية وعينه على موقف السيارات الخاص باحدى الكازينوهات التي يرتادها مئات العوائل لتمضية بعض ساعات اللهو على شاطيء نهر دجلة، كان ذلك الشرطي مكلفاً هو وعدد من افراد المفرزة لمراقبة مواقف السيارات على امتداد شارع ابي نؤاس بعد ان تزايدت ظاهرة سرقة السيارات والتي اخذت تستخدم مؤخراً في التفخيخ والتفجير من قبل قوى الارهاب في العاصمة بغداد.. بعد ساعات من المراقبة وفي اليوم السابع لتوليه هذه المهمة شاهد الشرطي شخصاً في الظلام يفتح الزجاج الجانبي لاحدى السيارات بالة حادة.. وفي بضع دقائق كان قد مد يده ليفتح الباب ويخرج مجموعة من المفاتيح يجربها لتشغيل السيارة.. ولكن كانت يد الشرطي تقبض على رقبته وتخرجه من السيارة وتقتاده مع بقية أفراد المفرزة الى المديرية متلبساً بجريمته.
وقف ذلك الحدث الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره يرتجف امام مدير المكافحة.. وفي اثناء التحقيق معه اعترف بكل شيء.. واتضح من خلال التحقيق انه يشكل مجموعة كبيرة من اللصوص يديرها احد أرباب السوابق الكبار والمتخصصين بسرقة السيارات الحديثة، أرشد الحدث الصغير الشرطة الى رئيس العصابة الذي أستاجر مراباً قديماً للسيارات في منطقة الصليخ واستخدمه لاخفاء السيارات المسروقة فيه.
داهمت مفرزة من شرطة مكافحة سرقة السيارات الكراج السري في الليلة نفسها بعد أن اخذت موافقة قاضي التحقيق.. لتجد غفور الاعور.. رئيس العصابة والمطلوب في قضايا جنائية عديدة واربعة من الصبيان وقد عكفوا على سيارة نوع بيجو يفككون اجزاءها في سرعة بالغة.. فلصوص السيارات يفضلون في كثير من الاحيان فك أجزاء السيارة وبيعها قطعة قطعة لتجار بيع أجزاء السيارات المنتشرين في مناطق مختلفة من بغداد وبقية المحافظات.. وقد اصبحت في الفترة الاخيرة تجارة رائجة بعد ان منع استيراد أجزاء السيارات المستعملة من دول الجوار.. وعندما تفكك السيارات الى أجزاء صغرة تباع باضعاف سعرها فضلا عن ان ذلك يخفي كل معالمها ويصعب أثبات تهم على من يبيعها.. فوجيء غفور الاعور.. بالشرطة تقتحم عليه هذا الكراج النائي.. ولكن في هذه العملية السريعة استطاعت الشرطة القاء القبض على أخطر رئيس عصابة والعقل المدبر لسرقة السيارات في بغداد.. والذي كان يصعب على الشرطة اثبات التهم عليه لانه يستعين بأحداث ضائعين يستخدمهم بعد التدريب في سرقة السيارات وتوصيلها الى الكراج.
لضباط مكافحة سرقة السيارات أساليبهم للحصول على الاعترافات.. لذا أعترف غفوري الاعور على الفور بسرقة العديد من السيارات.. كما ارشد الى بعضها كان مخبئاً في مخبأً سري يخفي فيه غفوري السيارات الحديثة جداً والذي ينوي بيعها بعد أن يغير ملامحها ولونها وتزوير اوراقها الرسمية.. سجل ضابط التحقيق في دفتر ملاحظاته عدداً من القضايا التي كانت مجهولة.. واعاد اكثر من خمس سيارات حديثة كانت مسروقة لاصحابها.. ولكن وجد نفسه يواجه لغزاً غامضا عندما سأل الضابط غفوري الاعور عن سيارة مرسيدس حديثة كانت قد سرقت من امام مستشفى في الكرادة قبل اسبوع.. فأجابه غفوري بعد مناورة منه ان هذه السيارة قد استقرت في قاع نهر دجلة.. في منطقة الكريعات.
ولكن لماذا تخلص غفوري الاعور من هذه السيارة باغراقها في دجلة؟
لم يجب غفوري الاعور عن هذا السؤال.. ولكنه شحب لونه واضطرب بشكل ملحوظ وهو ذلك الحرامي الخطر الذي عرف السجون وقضي عمره في عالم الجريمة.. لكنه ظل يحاول التهرب من تقديم اي ايضاح لتصرفه هذا.. استعان ضابط التحقيق بوحدة الغوص في النجدة النهرية ليغوص أفرادها في قاع نهر دجلة بحثاً عن السيارة في منطقة الكريعات، وارسل في استدعاء صاحب السيارة المرسيدس الذي تبين أنه شخصية مهمة ومرموقة.. والذي كان يأمل باستدعائه ان يجد سيارته.. ولكن ازداد غيظه وغضبه عندما عرف بمصير سيارته المجهول..! ظل غفوري الاعور يرمق صاحب السيارة بنظرات غريبة ذات معنى.. ولكنه في الوقت نفسه ادلى باوصاف تؤكد انها هي فعلا سيارة المسؤول الكبير.. ولكنه أصر على عدم تفسير ذلك اللغز!.. لماذا أستقرت السيارة المرسيدس في قاع دجلة؟، كاد صبر الضابط ينفذ حتى بدأ الحوار بين غفوري الاعور وصاحب السيارة عندما سأل غفوري ذلك المسؤول الكبير قائلا:
-الم يكن في سيارتك قميص ملوث بالدماء؟
-اجاب صاحب السيارة.. نعم.. ولكن ما علاقة هذه بالقائها في دجلة؟
-قال غفوري.. هل كنت تتوقع مني أن أحتفظ بسيارة فيها ملابس قتيل؟ صحيح انا حرامي سيارات ولكن الحياة حلوة.. ولا أريد ان تنتهي حياتي بحبل المشنقة؟
-وقف صاحب السيارة مذهولا لا يصدق ما يسمعه.. ولكن علق قائلا: ماذا تقصد؟
-قال غفوري: القميص الملوث بالدم دليل على القتل ولو ضبطت السيارة معي كان معنى ذلك ادانتي واتهامي في القتل الذي أنت ارتكبته؟
تدخل ضابط التحقيق ليسأله قائلا: هل هذا هو السبب الذي جعلك تتخلص من السيارة؟
-اجاب غفوري: طبعاً السيارة أحضرها لي أحد أعواني.. ولكن عدنما فحصتها وجدت فيها القميص الملطخ بالدماء.. ففكرة في مصيرها.. فاذا تم القبض علي سوف تشاهد الشرطة السيارة والقميص وتوجه لي جريمة القتل بدلا من السرقة.. وفي الليلة نفسها قدت السيارة الى منطقة الكريعات واغرقتها في النهر حتى اتخلص منها ومن هذه المصيبة؟
-سأله ضابط التحقيق.. ولماذا لم تتركها في الشارع؟
-ضحك الحرامي غفوري في خبث وقال.. هل أتركها وبصماتي على كل جزء منها!
التفت ضابط التحقيق الى المسؤول الكبير صاحب السيارة والذي كان يضرب كفا بكف دهشة وعجباً وسأله قائلا: ماسبب وجود هذا القميص الملوث في سيارتك؟
-أجاب الرجل.. في اليوم السابق لسرقة السيارة كانت هناك حادثة اخرى أصيب شقيقي في حادث تصادم عنيف ونقل الى المستشفى وعندما توجهت لزيارته اخذت ملابسه الملطخة بالدم ووضعتها بالسيارة لاغسلها في بيتي.. ولكن السيارة سرقت بما فيها..
لم يتمالك الضابط نفسه من الضحك لهذه الظروف الغريبة التي جعلت غفوري الاعور يتخلص من السيارة الحديثة باغراقها في نهر دجلة..
في موقف مكتب سرقة السيارات غرق غفوري في تساؤلات وحسرة على تسرعه بالتخلص من السيارة.. وهمس في اذن مجرم كان موقوفا معه في قضية جنائية ليقول له.. ضاعت مني فرصة العمر.. ولكني تعلمت شيئا جديداً انني لن افرط في سيارة مرسيدس مرة أخرى حتى لو كان قتيل بداخلها!..


د.معتز محيي عبد الحميد