اقرأ في هذا العدد
 
 




من ملفات الشرطة
 
حمل الشهادة الى السجن!!
حمل الشهادة الى السجن!!
بدأت حكاية عصام مع الجريمة والسرقة والاحتيال منذ ان تخرج في الكلية ونال شهادة البكالوريوس في ادارة الأعمال.. ومع شهادة البكالوريوس كان يحمل في داخله آمالا كبيرا وطموحا في الحياة والمستقبل.. ظن مثل جميع الشباب الجامعي ان الشهادة الجامعية وحدها كفيلة بأن تفتح له أبواب المستقبل الموصدة.. خرج الى الحياة فاتحا ذراعيه وقلبه حاملا شهادته والأمل يملأ عينيه وصدره وابتسامته لا تفارق وجهه.. خرج يبحث عن مستقبله الذي طالما حدثه عنه والده حينما كان يشجعه على المذاكرة والاجتهاد.. فقد كان يقول له دائما بأنه بشهادته الجامعية سيصبح شخصا محترما ويستطيع ان يجد له وظيفة محترمة في كافة الدوائر الحكومية كافة.. ومن دون هذه الشهادة لا يستطيع أن يعيش في الحياة بكرامة!. كلمات طالما منعته من النوم ليلا فكان يواصل ليله بنهاره حتى يحصل على تلك الشهادة التي أصبحت هي المفتاح الوحيد للعيش في رغد ونعيم.. كان يريد ان يكون نموذجا آخر لأبيه الموظف البسيط الذي لا يكاد يكفيه راتبه لتوفير العيش المناسب لأبنائه الخمسة.. ويعيش حياة الفقر والحرمان والعدم بين جدران غرفته التي أكلتها الرطوبة كما أكلت جسده النحيل المنهك دائما. لم تفارقه صورة أسرته البائسة المحرومة من كل شيء.. لا يعرفون الملابس الا ما يستر جسدهم ويحميهم من برد الشتاء وحر الصيف.. أما الأشياء الجميلة والحديثة فهي أشياء لا يعرفونها ولا يهمهم من أين تأتي تلك الملابس لتستر أجسادهم.. من أصدقائهم او أقاربهم أو من أسواق (اللنكات) وهي مقصدهم عندما تبلى ملابسهم وتصبح غير قادرة على ستر أجسادهم! وتزداد الصورة قتامة حينما يمرض واحد من أفراد العائلة.. فيدور الأب المسكين على الأقارب او الأصدقاء لاقراضه ثمن الدواء والعلاج على ان يسدده على أقساط شهرية من راتبه المتواضع. هذا المشهد الذي كان يحيا فيه الشاب عصام يوميا كان دافعا له لأن يأكل كتبه حتى يحصل على الشهادة ليهرب من هذه الحياة التعسة الى النور والحياة الرغدة.. ليصبح موظفا يحترمه الناس ويهابه الجميع لا انسانا يعيش على هامش الحياة!
عندما تخرج عصام وبدأ خطواته الأولى حاملا شهادته فخورا بانجازه يزهو بنفسه وكأنه قائد وفاتح منتصر.. يتأبط جريدة التآخي يبحث في اعلاناتها عن وظيفة شاغرة لأمثاله من خريجي الجامعات.. نظر في ساعة يده المتواضعة والتي تشير الى التاسعة صباحا ذلك هو الموعد المحدد لتقديم الأوراق الرسمية.. وقبل ان يصل الى باب المؤسسة الحكومية شاهد تجمعا كبيرا شديدا أعاق وصوله الى باب المؤسسة التي يقصدها لتقيد أوراقه.. وعندما سأل عن هذا الحشد الهائل الذي ظن أنه تجمع لتظاهرة تأييد لأحد الأحزاب او اعتصام يقوم به موظفو المؤسسة!. أخبره الواقفون أنهم جاءوا جميعا لتلك الوظيفة التي قرأ عنها في الجريدة! وقف لحظات يتأمل المشهد وهو يفكر في طريقة يتجاوز بها تلك الحشود الطويلة التي ألقت به للخارج.. فكان من الطبيعي ان يجد نفسه في وسط الشارع.. فاجأه أحدهم بأن المؤسسة تحتاج الى تعيين خمسة خريجين من كل هذا الحشد!. شعر عصام باليأس كما شعر أقرانه ولملم أوراقه التي كان يتفحصها وانصرف بعد ساعات ولم يصل الى الشباك ليتسلم الموظف المختص أوراقه منه.
احساس قاتل بالمرارة واليأس والاحباط أصاب عصام وهو عائدٌ يجر أذيال الفشل.. وشعر ساعتها ان الحياة ليست كما كان يتصور وان الطريق المفروش بالورود الذي طالما ملأ خياله أثناء الدراسة ليس الا سرابا وان الشهادة الجامعية أصبحت في سوق العمل والحياة في الوقت الحاضر لا تساوي الحبر الذي كتبت به. أفكار سوداوية سيطرت على عصام ووأدت أحلامه في مهدها.. حيث وصل الى نتيجة واحدة وهي.. ان طريقه وعر وصعب وطويل..!
عاد عصام الى بيته غارقا في يأسه واحباطه فاقدا الأمل في ان يبرح هذا الفقر والبؤس يوما من الأيام.. بعد أسابيع من الاحباط أفاق عصام على نفسه ونفض اليأس من فوق أكتافه وقرر ان يحاول من جديد، وامتدت يده الى شهادته ليصالحها بعد ان هجرها وفقد الأمل من جدواها وقدم أوراقه الى عدة دوائر ومصارف وشركات أهلية بأمل جديد ورغبة صادقة في ان يبتسم له الحظ يوما.. ولكن الفشل كان يلاحقه.. فاضطر ان يضع أوراقه جانبا ويعتمد على ساعده فقط حيث عمل بالعديد من الأشغال المتواضعة كعامل بناء تارة وعامل مطعم تارة أخرى.. وأدرت عليه هذه الأعمال بعض النقود التي أعالت أسرته في تلك الفترة.. ولكنه كان يصبر على حاله منتظراً الفرصة التي تأخذ بيده للمستقبل.. ومرت الأيام بحلوها ومرها وعصام يصبر على هذه الأعمال الشاقة.. ولكن الدنيا عادته وأعطته ظهرها من جديد.. فقد عمله بعد مشاجرة مع صاحب المطعم الذي يعمل فيه فطرده الى الشارع ليصبح من أبناء الشوارع من جديد.
عاد الشاب الى سيرته الأولى يبحث عن عمل آخر مهما كان وبأي أجر.. ولكنه لم يفلح في ذلك وضاقت عليه الدنيا وانسدت أبواب الحياة.. وأيقن عصام ان لا جدوى بعد ان أغلقت كل الأبواب في وجهه وشعر فجأة ان الحياة مستحيلة وان أحلامه وأحلام أبيه سراب يحسبه الظمآن ماء! بعد ايام من الاحباط واللامبالاة عاشها عصام في غرفته يقضي ساعات النهار نوما والليالي سهرا لا هدف ولا أمل.. وأثناء تلك الفترة تعرف على أصدقاء السوء الذين اخذوا بيديه الى الهاوية وتحول الى انسان آخر لا يهمه سوى المادة والحصول عليها بأية طريقة وبأي ثمن حتى يصبح مثل أصدقائه الذين ينفقون ببذخ وتكتظ جيوبهم بالآلاف..
وعندما كان يسألهم عن مصدر تلك الأموال.. يضحكون ويخبروه بأن جمع الأموال أسهل من الحصول على عمل.. يحتاج فقط الى عقل متفتح وقليل من الشجاعة@! وقالوا له أيضاً أصدقاء السوء ان شوارعنا أصبحت مليئة بالأثرياء الحواسم الذين لا يعرفون أين يصرفون أموالهم التي سرقوها من جيوب الشعب!
أعجبته الفكرة سريعا واقتنع ببساطة بأفكارهم التي شوقته الى الثراء بأي ثمن وبأية طريقة حتى ولو كانت عن طريق الحرام! دخل عصام بكل قوته مع أصدقائه في طريق الشر الذين علموه كيف يقومون بتزوير عقود وملكية الدور والقصور المغلقة التي ترك اصحابها العراق منذ فترة طويلة.. وأخبروه ان تلك الدور لن يسكنها ولا يسأل عنها أحد وأقنعوه ان دارا كبيرة كانت ملكاً لأحد الاقطاعيين وقد توفى في الخارج ولا يعلم عنه أحد شيئا لا هو ولا أبنائه.. وأقنعوه بأن تكون ملكية هذه الدار باسمه هو.. وافق عصام على الفور عندما سمع من أصدقائه انه سوف يحصل على نصيب الأسد.. واستطاعت هذه العصابة بمساعدة أحد الموظفين المرتشين في دائرة العقارات واحد المحامين الحصول على حكم قضائي بصحة التوقيع على عقود البيع والشراء وأصبحوا يملكون أوراقا رسمية بالدار بحيث تبيح لهم البيع والشراء.. وبعد أيام عرضوا تلك الدار للبيع في أحد مكاتب الدلالية.. وأقنعوا أحد المشترين بصحة الأوراق والسندات التي تثبت ملكية الدار لعصام.. وحصلوا من ذلك المشتري على عربون الشراء والذي تجاوز مبلغ خمسة وعشرين مليون دينار!!.
شعر عصام وقتها انه اختار الطريق الصحيح عندما حصل من أصدقائه على مبلع مليون دينار انتظر حتى ينتهي البيع ويحصل على الباقي! وبدأت حياة عصام تتغير.. ولكن قبل ان تتم عملية البيع بساعات حدث ما لم يكن في الحسبان.. عاد صاحب الدار الحقيقي بعد ان اتصل به جيرانه وأخبروه ببيع داره.. وان المشتري الجديد بدأ باكمال نواقص البيت! حضر على الفور صاحب الدار والتقى مع المشتري وحدثت مشاجرة وعراك ما بين الطرفين.. ما ادى الى حضور الشرطة وتسليم الطرفين الى مركز الشرطة في التحقيق انكشفت اللعبة وانتهى المطاف بعصام خلف قضبان السجن عندما حكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات.

معتز محي