اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 جمال الأسدي … في لوعي والإدراك في فلسفة التأريخ
 ابن سيرين انتقل بالرويا من العراق الى مصر
 خلال افتتاحه جسر الهندية الثاني المالكي: العراق يمتلك الثروة ولكن الحكام لم يخلصوا لخدمة الشعب
 وصل ما انقطع.. وصحف بغداد في الماضي القريب!!
 ابعدن فوهات الهزيمة عن صدر الرجل!

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ارشيف المجلة
 
وجوه بريئة تبحث عن مأوى ..أنقذوا هؤلاء!
لكن الفجيعة لم تتوقف عند هذا الحد وليت لعنة الاقدار المشؤومة التي ظلت تحوم حول ما تبقى من اجساد واهنة تشغل البيت.... ليتها.... أكتفت بسلب المعيل من بين احضانهم فما أن مرّت سنة على رحيل الاحبة الى عتمة المقابر حتى عاد شبح الموت ليزورهم قابضاً ولكن هذه المرة جاء متخفياً بثوب النيران التي اشتعلت في جسد الام المنكوبة في ليلة ظلماء لتحرق وريقات شبابها الخمس والثلاثين ومن دون رحمة فغادرت الحياة بعد صراع مع الالم استمر ثلاثة أيام، لقد حاولت المسكينة جاهدة بعد ان مزق اللهب جسدها التمسك بآخر خيط يوصلها بالحياة كلما وقعت عيناها الذابلتان على منظر ابنائها وهم ملتفون حول سريرها كالقطط الصغيرة ويتوسلونها البقاء معهم ولكن من يوقف شراسة النيران التي أسكتت قلبها الى الأبد..
رحل الاب.. رحل الابن.. واخيراً رحلت الام.. التي برحيلها انقطع آخر أمل للأمان في نفس هؤلاء السبعة اليتامى ولم يتبق في حوزتهم سوى انهار الدموع وكيف لها ان تجف ومن سيسمع بعد الأبوين أنينها المحبوس ولوعتها المحترقة، فما خفي بعد ذلك كان اعظم ويثير لكل من يسمع الحكاية جدلاً مخزياً ولو سألتموني كيف سيرد قلبي الغاضب ما أن مر شهر على رحيل أمهم حتّى ذاق هؤلاء اليتامى الذين لم يعودوا يتامى من الاب والام فقط وانما يتامى من انسانية وعطف وحنان أقرب الناس اليهم فقد ذاقوا الامرين من الغرباء والاقرباء فقد تخلى عنهم الجميع والكل أغلق في وجوههم أبوابه غير آبه بتركهم على نواصي الشوارع والارصفة ولم يرف جفن أو يرفّ قلب لأي واحد من ذويهم وهنا تكمن الدهشة فجذبتهم من طرف الام ابقتهم لديها فترة من الزمن ولم تحتمل بعدها مسؤوليتهم فذهبوا لجدتهم من طرف الاب التي هي الاخرى لم تطق وجودهم أكثر من اسابيع معدودات توجهت بعدها (الفتيات الست) وأخِوهن عمر ذو الثلاث سنوات الى أحد عمومتهم بادئ الامر استقبلهم ولكن ما أن مضت الاسابيع الاولى حتى أخذ يطالبهم بدفع إيجار لقاء سكنهم عنده رغم علمه بانهم لم يكونوا يملكون سوى ملابسهم المتهرئة التي كانت بالكاد تسترهم من برد الشتاء وضراوة الصيف الحارقة فصعب الامر عليهم ولم يكن أمامهم من خيار حينها سوى افتراش الارصفة والتشرد بين ظلمتها وضياعها ولكن هيهات لارادة السماء والرحمة الالهية التي وسعت كل شيء ان تقف مكتوفة الايدي أمام حيرة وتشرد تلك المخلوقات الملائكية التي لا ذنب لها في الحياة سوى مرارة ظروف عصيبة القت بهم وسط أكوام القاذورات البشرية حملت الصدفة مأساة تلك الاسرة البائسة الى مسامع سيدة عراقية تجاوزت عقدها الخمسين أنتفضت ولم ترض لها عراقيتها وانسانيتها وأمومتها ان تترك أنياب الضياع تلتهمهم سيما الفتيات اللواتي لم يكن يتجاوز عمر اكبرهن السادسة عشرة فسارعت لاحتضانهم وتهيئة ما يمكن تهيئته لهم من استقرار رغم ظروف الحياة الصعبة كونها أيضاً مسؤولة عن عائلة وبيت ومعيشة فكانت لهم الاب والام والسند والمعيل ولا أبالغ ابداً إذا قلت بان مالمسته ورأيته بام عيني من تلك الانسانة النبيلة من اهتمام بهم يفوق حتى ما كانت تقدمه لابنائها.
اذن الحديث متشعب وذو شجون وهو ماكنت على موعد معه داخل البيت الذي استأجرته الحاجة أم رشا على مقربة من بيتها في منطقة السيدية حال وصولي الى هناك استقبلتني هي والفتيات الست وأخوهن الصغير ببالغ الحب والاحترام حيث كان الجميع يتمتع برحابة صدر رغم المحنة وعلى استعداد تام لاطلاعي على مجريات وتفاصيل الحادث الاليم وايضاً حملوني أمانة إيصال صوت مأساتهم الى مسامع كل المسؤولين في الحكومة بدءاً من اب كل العراقيين الاستاذ نوري المالكي وانتهاءً بجميع المنظمات الانسانية والقلوب الرحيمة والهلال الاحمر عسى ان تعيد البسمة الهاربة لشفاههم..
تقول أم رشا:
سنة ونصف السنة مرت وانا احتضن تلك العائلة التي خطف الموت من عشها الهادئ الاب والابن في حادث تفجير ارهابي ليترك الام المسكينة بصحبة طفل صغير لا يتجاوز الثالثة من العمر وست فتيات بعمر النضوج أكبرهن مصابة بعوق ولادي شديد وعاجزة كلياً عن قضاء كل حوائجها ولكم هنا أن تتخيلوا حجم المعاناة، استسلمت الام لارادة الله ورضيت بما كتبته لها قسوة الاقدار غير ان كابوس الموت لم يكتف بسلب الاب ولم يرتو من فقدان الاخ وعاد ثانية بعد مرور سنة على الحادث الاليم
ليكتم أنفاس الأم بطريقة مؤسفة نتيجة أشتباهها بملء المدفأة بمادة البنزين بدلاً من النفط فحدثت ملامسة سريعة بين النار والبانزين لم تنتبه لخطورتها فكانت الضحية الغافلة ظلّت الام تصارع الموت ثلاثة أيام انتقلت بأنتهائها الى رحمة الله مخلفة سبعة أفواه ليتامى غارقين في وحشة ووحدة من الصعب ان يطيقها الكبار فكيف الحال بهؤلاء الذين لا يفقهون بعد شيئاً من حياتهم، لم يبق لهم سوى العيش عند اقرب المقربين بطبيعة الحال لكن للاسف جدتهم لامهم وجدتهم لابيهم وكان من المفترض بها ان يكونا احن الناس قلباً عليهم فمن الأمور التي لاتصدق أن تكونا أول المتخلفين عن تكفلهم وهنا وجد السبعة انفسهم داخل دوامة مخيفة من الوحدة فذهبوا الى بيت عمهم الذي استقبلهم بادئ الأمر بوجه حسن وأمن لهم السكن مع عائلته ولكن للاسف بعد فترة من الزمن وهنا المفارقة المخزية أنه طالبهم بدفع إيجار!! الحال المزري الذي وصل اليه ما تبقى من افراد تلك العائلة المشردة نقلت إليّ بالصدفه حكايتهم عن طريق احد المعارف الذين كانوا يسكنون بالمنطقة التي تجاور سكنهم وهي منطقة الشرطة الرابعة فرق قلبي ودمعت روحي وتصورت على الفور في ماساتهم اطفالي فقمت على الفور بالذهاب الى هناك علماً انني اسكن منطقة السيدية ولم يهدأ لي روع الا حين جلبت الست بنات وأخاهن الصغير وأرحت ضميري الذي أبى الوقوف مكتوف الايدي ومتفرّجاً حيال بؤسهم، وقفت إلى جانبهم ووعدتهم باني ساكون الاب والام... الخطوة الاولى التي قمت بها هي أني استأجرت بيتاً يقع إلى جوار بيتي لاسكنهم فيه أثثت البيت بالممكن وعلى قدر المستطاع وفي ما يخص مبلغ الايجار طالبني اصحابه في البداية بدفع ايجار مئة الف فاستبشرت خيراً لكن بعد فترة فرضوا عليّ سعراً آخر بقيمة ثلاثمئة الف ولم امانع فالمهم عندي هو أن أؤمن لهم الاستقرار فكل شيء يهون مقابل جمع شمل هؤلاء المساكين واتمكن من تعويضهم ولو بجزء يسير عما عانوه من ألم وضياع نفسي حتماً هو قاسٍ لمن هو اكبر منهم سنّاً فكيف بهم وحول مسألة التكفل بمعيشتهم ومصروفهم اليومي فانا ومنذ الصباح الباكر اجلب معي مؤونة غذائية ليوم كامل ومصرفاً شخصياً لهم وربما يحتاجون لشراء شيء وانا بالاساس كنت قد زودتهم بالاشياء الرئيسة والبيت هو الآخر زودته بحاجيات تجعلهم ينعمون بالراحة والامان الى جانب ذلك علمت البنات إجادة دور ربة المنزل وانهن بمثابة الام في البيت وبامكانهن إدارة شؤونه والحمد لله هنّ واعيات ومتفهمات خلال تلك السنة والنصف يمكنني القول وبحمد الله ان العائلة استعادت استقرارها النفسي ووصلت اليوم الى مرحلة من الادراك والشعور بالمسؤولية وحتى هذا الطفل الصغير (عمر) عانى كثيراً في البداية من فراق والديه خصوصاُ فراق امه كونه لايزال صغيراً على الحرمان من حنانها لكنه وكما ترين يمارس حياته اليوم بصورة طبيعية بعدما عالجت وضعهم العلمي المربك وذلك بالعودة الى مقاعد الدراسة ولحسن الحظ توجد بقربنا مدارس جيدة وتفهمت إدارتها ظروفهم فلدي أكبر البنات وكانت تاركة لدراستها في معهد المعلمات إثر صدمتها المفاجئة بوفاة الاب والابن ومن ثم الأم فالامر ليس بالهين أبداً ولكن بعد ان استقروا في ذلك البيت صممت على ان ابعد شبح الضياع عن حياتهم عالجت كل تلك الثغرات واعدت كل واحد منهم الى المدرسة ليمارس حياته الطبيعية كما يمارسها الآخرون. ولم اكن أبالي ابداً بقسوة الحياة وظروفها التي كانت تزداد صعوبة يوما بعد آخر فانا ايضا لي عائلتي وحياتي الشخصية ولكن رغم ذلك لم أنكر لحظة ولن افكر بتركهم يوما ما وأدعوا الله دائما ان يلهمني العزيمة لاقدم لهم اكثر من ذلك ولكن الرياح تجري بعض الاحيان بما لا تشتهي السفن فانت تعلمين ان أساس استقرار الانسان هو وجود بيت يملكه لانه يجد بداخله الشعور الحقيقي لما يحتاجه من امانٍ فمالكو البيت الذي استأجرته قد رفعوا مبلغ الايجار مرة اخرى الى اربعمائة الف دينار ولم امانع أبداً رغم قيمته العالية الى جانب المصاريف الاخرى التي يحتاجونها فانا مؤمنة بأن الله يرزق من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب فالمشكلة التي تواجهني وتؤرقني اليوم هي ان اصحاب البيت اعطوني مهلة الى الشهر الخامس لإخلائه علماً انني تكلمت معهم وشرحت ما طال لتلك العائلة المنكوبة عسى ان يتراجعوا عن قرارهم ولكن من دون جدوى.
أنا في حيرة وقلقة جداً خشية من ان يشعر الصغار بشعرة من قلق فمن المحال ان اتركهم بعد ان تعلقت روحي بهم واصبحوا بمثابة اطفالي.. وفي الوقت نفسه لا أعرف الى أين سأذهب بهم بعد ان يحين موعد إخلاء البيت.. تلك هي حكايتي مع هؤلاء المساكين ولا شك انها تدمي عين وقلب من يسمعها ويمعن النظر ما ترسمه الاقدار وتقرره فجأة بان يكون واقعاً للحال فارجو أن يسمعها العالم باسره وتستشعر عذاباتها كل القلوب الرحيمة بعد أن صغر حجم الانسان في دواخل أقرب المقربين اليهم. 

 كتبت ماساتهم / أمنة عبد النبي